فهرس الكتاب
اللاذقية المهم [1] ، بل وتمركز في عدة مواقع أخرى على ساحل البحر الأبيض المتوسط فيما بين اللاذقية وطرطوس، فضلًا عن قلعة المرقب [2] .
عاشرًا: تلقى بوهيموند أمير أنطاكية في هذه الموقعة وبعدها عدة طعنات نافذة أفقدته توازنه تمامًا؛ مما أدى إلى قرار خطير جدًّا أخذه عن اضطرار!
لقد فَقَد بوهيموند في المعركة جزءًا لا بأس به من جيشه، ثم فقد عددًا من القلاع والحصون والمدن والقرى في شرق أنطاكية، وتعرض لهجوم رضوان بن تتش - مع ضعفه الشديد - على أملاكه وضياعه، وتلقى ضربات قاصمة من الدولة البيزنطية فَقَد فيها إقليم قليقية بكامله، إضافةً إلى فَقْد اللاذقية وغيرها من مراكز ساحلية؛ كل هذه الخسائر العسكرية والسياسية أفقدته الكثير من هيبته وقيمته في المنطقة، وهذا دفعه إلى الوقوع في جريمة أخلاقية أفقدته الكثير من سمعته عند الصليبيين! وهذه الجريمة هي أنه كان محتفظًا بأسير مهمٍّ من أسرى جيش الموصل، وهو من أمراء السلاجقة، وقد عرض جكرمش أمير الموصل على بوهيموند أن يطلق هذا الأمير في مقابل أحد أمرين: إما أن يبادله ببلدوين دي بورج شخصيًّا، وإما أن يدفع مبلغ 15 ألف دينار! ولم يكن متوقعًا من بوهيموند أبدًا أن يقبل بالمال ويترك بلدوين دي بورج، خاصةً أنه تلقى رسالة من بلدوين الأول ملك بيت المقدس وابن عم بلدوين دي بورج تحضه على إطلاق سراح بلدوين دي بورج، وأيضًا لا ننسى أن بوهيموند كان أسيرًا عند الملك غازي بن الدانشمند، وقد حاول بلدوين دي بورج بكل وسيلة أن يطلق سراحه، بل إن بلدوين دي بورج ساهم بمبلغ كبير في الفدية الضخمة التي دُفعت لفك أسر بوهيموند وهي مبلغ مائة ألف دينار، وهو يمثِّل أضعاف ما سيأخذه بوهيموند نظير إطلاق الأمير السلجوقي؛ كل هذه العوامل كانت تحتِّم على بوهيموند أن يرفض المال، وأن يبادل الأمير السلجوقي ببلدوين دي بورج أمير الرها، إلا أن بوهيموند فاجأ الجميع - وفي نذالة بالغة، وخسة متناهية - وضحَّى ببلدوين دي بورج، وأخذ المال وأطلق الأمير السلجوقي!! وكان هذا سببًا في بقاء بلدوين دي بورج عدة سنوات في الأسر [3] .
وأدى هذا الفعل المشين إلى ردة فعل واسعة النطاق في الإمارات الصليبية حيث صار بوهيموند منتقدًا من الجميع، وإزاء هذه الأزمات المتتالية، وإزاء هذا الانعزال الصليبي عنه، ونتيجة تكاثر الأعداء عليه، ونتيجة رؤية إمارة أنطاكية تتقلص تقلصًا سريعًا قرَّر بوهيموند قرارًا خطيرًا، وهو أن يترك الساحة بكاملها وينطلق إلى أوربا!! وهو في هذا الانطلاق لا ينوي ترك أملاكه في الشرق، فليس بوهيموند الذي يستسلم بسهولة، ولكنه ينوي الذهاب إلى فرنسا وإيطاليا ليستعدي الجميع