فهرس الكتاب
هناك على الدولة البيزنطية، وقد كان بوهيموند يرى - وهو محق في ذلك - أن رضوان بن تتش ليس الزعيم الذي يُرهب، وأنه من السهل أن يتخلص منه عند الحاجة، ولكن الخطر الحقيقي على إمارته يكمن في الدولة البيزنطية [1] ، وعلى هذا فقد رحل فعلًا بوهيموند إلى أوربا في أعقاب موقعة البليخ تاركًا تانكرد زعيمًا على إمارتي أنطاكية والرها [2] .
وهكذا أُقصي بوهيموند الشرس من ساحة الصراع!
ولعله من المناسب هنا أن نعرض لقصته في أوربا حتى لا تضيع منا في خضم الأحداث الساخنة، فإن بوهيموند قد نجح فعلًا في تجميع الجيوش والأموال من فرنسا وإيطاليا لحرب الدولة البيزنطية، وأقنع الجميع بضرورة الوقوف أمام أطماعها، وصوَّر لهم أنها تتعاون مع السلاجقة المسلمين ضد الصليبيين [3] ، وأنها كانت سببًا مباشرًا في هلاك حملة سنة (494هـ) 1101م، وعلى هذا فقد تجهزت أوربا الغربية في جيش كبير من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا بقيادة بوهيموند لحرب الدولة البيزنطية [4] ، وتمت فعلًا موقعة فاصلة في ميناء دورازو، وهو يحوي أقوى قلعة بيزنطية عند مدخل الأدرياثيك [5] ، وتمت هذه الموقعة سنة (500هـ) 1107م بعد ثلاث سنوات من رحيل بوهيموند من أنطاكية، وفي هذه الموقعة انتصر الإمبراطور ألكسيوس كومنين - وقد حضر الموقعة بنفسه - انتصارًا ساحقًا على بوهيموند وجيوشه، وأرغم بوهيموند على توقيع اتفاقية استسلام مخزية في مدينة دفول Devol سنة (501هـ) 1108م [6] ، وفيها أقر بتسليم إقليم قليقية بمدنه الثلاث، وكذلك ميناء اللاذقية إلى الدولة البيزنطية، والاعتراف أن هذه ليست من أملاك أنطاكية، كما اشترط الإمبراطور البيزنطي أن يعزل البطرك الكاثوليكي عن كنيسة أنطاكية ذاتها، ويعيِّن بطركًا أرثوذكسيًّا، وأن يتعهد بوهيموند بحرب ابن أخته تانكرد إذا رفض بنود هذه الاتفاقية [7] !!
وأمام هذا الخزي الذي وصل إليه بوهيموند لم يستطع أن يعود إلى أنطاكية، ولا أن يلتقي برفقاء الحملة الصليبية، وعليه فقد عاد إلى صقلية بعد معاهدة دفول ليبقى هناك ثلاث سنوات في عزلة ومهانة حتى مات في سنة (504هـ) 1111م، وقد خسر كل شيء [8] !!
وهكذا رأينا بوهيموند يفقد مستقبله السياسي تمامًا بعد هذه المعركة العجيبة: (معركة البليخ) .
(2) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 328.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 104،
(5) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 329.