الصفحة 193 من 390

ولعل المحلل للأحداث قد يتعجب أن هذه النتائج الهائلة قد حدثت من جَرَّاء هذه المعركة البسيطة التي تمت في يوم واحد، ولم يكن لها إعداد طويل، وقُتل فيها من الصليبيين اثنا عشر ألفًا من المقاتلين، بينما لم تكن نتائج معارك سنة (494هـ) 1101م، والتي قُتل فيها أكثر من مائتي ألف مقاتل صليبي على نفس المستوى.

إن الفارق بين الموقعتين أن موقعة حران أو البليخ موقعةٌ رفعت فيها راية لا إله إلا الله، وخلصت فيها النوايا لله، وكانت موقعة ممثِّلة للإسلام، فبارك الله في نتائجها وعظَّم من آثارها، بينما كانت مواقع مرسفان وهرقلة الأولى والثانية - على عظمها وضخامتها - مواقع لم تتم إلا للدفاع عن الأملاك والأرض والثروة والملك فقط، ولم تكن فيها النفوس موجهة إلى الله - عز وجل -، وكان المشاركون فيها حريصين على قبض الثمن الدنيوي، ودار القتال الحقيقي من أجل الحرص على تقسيم ثمرة المعركة، وهو القتال الذي لم نره في معركة البليخ، بل رأينا ورعًا من سقمان بن أرتق، وبُعدًا عن النزاع والشقاق، وحتى جكرمش - الذي حرص على أخذ شيء من الغنائم، وهذا في حدِّ ذاته ليس خطأً فاحشًا؛ لأنه وجنوده شاركوا بقوة في القتال - وجدناه على استعداد لبذل الأسير الثمين في مقابل إطلاق سراح أمير سلجوقي مسلم؛ مما يدل على قيمة الأسير المسلم، وروح المودة في الجيشين، ولم يفعل مثلما فعل بوهيموند الذي آثر المال على تحرير بلدوين دي بورج، مع أهمية مركزه ووضعه.

إن الذي علينا هو توجيه النية لله، وبذل الجهد قدر المستطاع، والتوحيد بين صفوفنا، أما النتيجة فالله كفيلٌ أن يبارك فيها، ويضاعف من ثمارها، فهو سبحانه القوي العزيز.

وإن كانت موقعة البليخ من الأخبار المفرحة في سنة (496هـ) 1104م، فإنَّ هناك خبرًا مفرحًا آخر تمَّ في نفس السنة، وإن كانت آثاره غير ذلك؛ فقد شهدت هذه السنة صلحًا بين الأخوين المتخاصمين والمتنازعين سلطاني السلاجقة بركياروق ومحمد! وكان النزاع بينهما مستحكمًا وصل إلى حد الحرب والنزال، مع حسن أخلاق كليهما! ولكن بفضل الله اجتمع الأخوان في هذه السنة، وتم بينهما الصلح عن تراضٍ من الطرفين، لكن - للأسف - كانت نتيجة هذا الصلح هو تقسيم البلاد بينهما [1] !! وهذا - لا شك - فكر معوج، ومنهج منحرف، والله - عز وجل - يقول: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2] .

لقد قبل الأخوان بتقسيم المملكة التي تركها أبوهم ملكشاه بن ألب أرسلان إلى ثلاثة أقسام: الأول يحكمه بركياروق ويضم أصبهان وفارس ومعظم العراق دون شمالها، ويتبعه في ذلك قسم بغداد، بمعنى أن الخطبة في بغداد ستكون للخليفة المستظهر بالله والسلطان بركياروق. أما القسم الثاني

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 71،70.

(2) (آل عمران: 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت