الصفحة 194 من 390

فيحكمه محمد، وهذا يضم أذربيجان وأرمينية وديار بكر والموصل، مع أن الموصل كانت تحت حكم بركياروق قبل الصلح، وهذا سيؤدي إلى بعض المشاكل التي سنتعرض لها. وأما القسم الثالث والأخير فلأخيهما الثالث سنجر، وهذا يحكم خراسان (شرق إيران) وبلاد ما وراء النهر [1] .

لقد كان هذا هو الحل الذي لجأ إليه الأخوان، وهو خطأ شرعي سياسي لا ريب، ولا ندري كيف وصل بهما الحال إلى الوقوع في هذا الخطأ، مع ما يوصف به كل منهما من حسن الخلق، وجمال السيرة، والعدل في الملك، وما إلى ذلك من صفات جليلة!

لكن الشاهد من الأحداث أن النفوس سكنت لهذا الصلح، وعمَّ الأمن في البلاد، واختفت سحب الحرب التي كانت تظلل هذه المنطقة من العالم الإسلامي.

كانت هذه هي الأخبار في القسم الشرقي من العالم الإسلامي، وهي مفرحة إلى حد كبير حيث تم انتصار البليخ كما ذكرنا، وكذلك الصلح بين الأخوين.

لكن الحال في بلاد الشام لم يكن مفرحًا قَطُّ في هذه السنة، ولا في التي بعدها! وهذا حال متوقع لما ذكرناه قبل ذلك من أسباب كذهاب العلم، وضياع قيمة الجهاد، وسلبية الشعب، وتسلط الحكام، وما إلى ذلك من أمراض. ولعل أبرز الأحداث التي رأيناها في أرض الشام في هاتين السنتين تشمل الآتي:

أولًا: استولى الصليبيون على ميناء جبيل في لبنان جنوب طرابلس، وذلك بمعونة أسطول بحري جنوي، وغدر الصليبيون بأهل جبيل بعد إعطائهم الأمان [2] ، وكافأ ريمونُ الرابع الأسطولَ الجنويّ الذي أسقط جبيل بإعطائه ثلث مدينة جبيل، لتصبح جبيل فيما بعد مستوطنة جنوية [3] ، وبسقوط جبيل يكون ريمون الرابع قد وضع الحدود المتوقعة لإمارة طرابلس، حيث يحدها من الشمال مدينة طرطوس، ومن الجنوب مدينة جبيل، ويبقى فقط أن يُسقِط المدينة الكبرى (طرابلس) [4] .

ثانيًا: أتم ريمون الرابع بناء قلعة كبيرة في مواجهة طرابلس مباشرة سماها سانت جيل، Saint Gilles، والمعروفة في المصادر العربية بقلعة الصنجيل، وقد بناها ريمون الرابع ليستخدمها في إسقاط طرابلس، ولقد نُقِلت الأخشاب اللازمة لبنائها من قبرص بواسطة الأسطول البيزنطي المساعد لريمون [5] ، ولم يتحرك أحد من المسلمين في المنطقة لهدم القلعة أو منع بنائها، مع أن طرابلس محاطة من شمالها الشرقي وشرقها وجنوبها الشرقي بإمارتي دمشق وحمص التابعتين لدقاق بن تتش، وحيث توجد حمص على مسافة أقل من 90 كيلو مترًا، ودمشق على مسافة أقل من 120 كيلو مترًا.

ثالثًا: حادث آخر مفجع هزَّ العالم هو سقوط مدينة عكا الحصينة في سنة (497هـ) مايو 1104م، وكان سقوطها مفجعًا لأنها أحصن مدن الشام مطلقًا، وسقوطها يعني سقوط بقية المدن تقريبًا، كما أنه سيمنع وصول الإمدادات البحرية للمسلمين بعد ذلك، هذا إضافةً إلى المجزرة التي تمت في المدينة بعد سقوطها، على الرغم من الأمان الذي أعطاه الصليبيون للسكان، وقد تم سقوط المدينة بمساعدة الأسطول الجنويّ الذي أسقط جبيل قبل ذلك [6] ! ولهذا أعطى بلدوين الأول ثلث مدينة عكا للأسطول الجنويّ، وصارت عكا مدينة تابعة لمملكة بيت المقدس [7] .

رابعًا: بعد رحيل بوهيموند إلى إيطاليا بدأ تانكرد يرتب أوراقه وينظم جيشه، ودخل في سنة (498هـ) ربيع 1105م في معركة كبيرة مع رضوان ملك حلب، وانتصر في هذه المعركة ليسترد بها حصن أرتاح، وليقتل من المسلمين ثلاثة آلاف رجل [8] !

خامسًا: تلقى المسلمون هزيمة أخرى في منطقة الرملة في 498هـ\ 27 من أغسطس سنة 1105م، وهو ما يعرف في التاريخ بموقعة الرملة الثالثة، حيث هُزم الجيش العبيدي وتشتت شمله في محاولة فاشلة لاسترداد بيت المقدس [9] ، ولعلَّ هذه هي آخر المحاولات الجادة التي بذلها العبيديون لاسترداد القدس [10] .

سادسًا: تُوفِّي دقاق بن تتش في رمضان (496هـ) 1103م، وتولى من بعده أتابكه طغتكين، وهو أحد مماليك تتش بن ألب أرسلان والد دقاق [11] ، وكان قائدًا عسكريًّا قويًّا صاحب خبرة مما جعل تتش يوكل إليه مهمة تربية دقاق، ومن ثَمَّ أعطاه لقب أتابك (أي مربي الأمير) ، ولكن عندما ضعف الأمراء السلاجقة صار للأتابكة العسكريين دور كبير في تسيير الأمور، بل وأحيانًا صار لهم الحكم صراحة، كما هو في حالتنا هذه، فقد أصبح طغتكين هو حاكم دمشق وحمص [12] ، وبذلك انتهى حكم السلاجقة تمامًا لهاتين المدينتين، ولكن على العموم فإن طغتكين كان أفضل كثيرًا

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 72،71.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 72،

(4) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 290.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 95.

(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 72،

(8) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 85،84.

(9) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 85،

(10) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 247.

(11) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74 (ذكر ابن الأثير أن وفاته كانت سنة 497هـ، وعلى ذلك نص ابن القلانسي) ، ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 246.

(12) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص149،148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت