الصفحة 199 من 390

بعض الكلمات التشجيعية والعبارات التأيدية، تاركين بذلك طرابلس تسقط تحت أقدام الصليبيين! ولا شك أن هذا نقص في الفهم، وغياب في الرؤية، فتقوية ابن عمار إضعاف للصليبيين، وطرابلس في النهاية مدينة مسلمة، ولم نطلب من الخليفة والسلطان هنا أن يغيرا من عقائدهما، أو يبدلا من مبادئهما، ولكننا نطلب النخوة للدماء التي تُسال، والنجدة للأرواح التي تزهق، والشجاعة في وجه الصليبيين! ولكن كل ذلك لم يحدث، وعاد ابن عمار ليجد أن طرابلس قد طارت من يده، لا إلى الصليبيين ولكن إلى العبيديين! فقد استنجد أهلها بهم في غياب ابن عمار، فجاءوا بأساطيل من مصر، وأخذوها لحسابهم [1] !

كل هذا والجيش الصليبي يحاصر المدينة من خارجها!

وفي هذه الأثناء وصل إلى أرض الشام برترام بن ريمون الرابع يبحث عن ملك أبيه [2] ! وبعد صراع وصدام مع وليم جوردان تدخل بلدوين الأول ليقسم بلاد المسلمين بين الأميرين الصليبيين، فأعطى وليم جوردان عرقة وطرطوس، في حين أخذ برترام بن ريمون قلعة صنجيل التي بناها أبوه ومدينة جبيل، على أن يأخذ برترام مدينة طرابلس حال سقوطها [3] .

ثم سعى بلدوين الأول ملك بيت المقدس في تجميع الجهود الصليبية لإسقاط طرابلس، وبالفعل - وهذه أول مرةٍ منذ زمن - تجتمع جيوش برترام ووليم جوردان مع جيوش بلدوين الأول ملك بيت المقدس وجيوش تانكرد أمير أنطاكية، إضافةً إلى أسطول جنويّ كبير؛ وذلك لإسقاط المدينة العنيدة طرابلس [4] !

ووجدت المدينة المسلمة نفسها وحيدة أمام الطوفان، وأحيط بالشعب المسكين، وسرعان ما دارت المفاوضات بين الحامية العبيدية (الفاطمية) وزعماء الجيش الصليبي على تأمين الحامية وإخراجها في سلام، وفتح أبواب المدينة للصليبيين، مع الوعد بصيانة دماء وأعراض المسلمين [5] ، ويتكرر بذلك سيناريو الأحداث في بيت المقدس، وكأنَّ الحامية العبيدية ليس لها دور إلا تسليم المدن الإسلامية إلى جيوش الصليبيين!

وخرجت بالفعل الحامية العبيدية في أمان، ودخل الصليبيون إلى مدينة طرابلس في أواخر سنة 503هـ، وتحديدًا في الحادي عشر من ذي الحجة ثاني أيام عيد الأضحى المبارك (1109م) !

غير أن الجيش الصليبي - كما هو متوقع - غدر بالمسلمين، فقتل الكثير من أهل المدينة، وأسر بقية الرجال، وتم سبي كل النساء والأطفال، ونهبت الأموال الغزيرة؛ فقد كانت طرابلس من أغنى المدن الإسلامية، وغنم الصليبيون ما لا يحصى من كتب العلم الموقوفة، بل حرق الصليبيون في ميادين طرابلس أعدادًا لا يمكن إحصاؤها من الكتب والمخطوطات [6] !

وبسقوط طرابلس تكون الإمارة الصليبية الرابعة قد تكوَّنت بعد حصار سبع سنوات متصلة، ويكون حلم ريمون الرابع قد تحقق بعد موته، وامتلك المدينة ابنه برترام بن ريمون، لتدخل المدينة فترة عصيبة من تاريخها لم تنتهِ إلا بعد مائة وثمانين سنة كاملة!!

ولم تلبث القلاع الإسلامية المتبقية في ساحل الشام أن تساقطت بعد حالة الإحباط المزرية التي أصابت المسلمين، فسقطت مدينتا بانياس وجبلة في يد تانكرد وضمهما إلى إمارة أنطاكية [7] ، ثم تبعتها بيروت حيث سقطت - بعد حصار 4 أشهر - في يد بلدوين الأول ملك بيت المقدس بمساعدة برترام بن ريمون في سنة (503هـ) مايو 1110م، وذلك بعد حدوث مذبحة رهيبة في أهل بيروت المسلمين [8] ، وأخيرًا سقطت مدينة صيدا اللبنانية، وذلك لحساب بلدوين الأول ملك بيت المقدس، وبمساعدة أسطول بحري بقيادة ملك النرويج شخصيًّا، وأسطول آخر بندقي بقيادة دوق البندقية نفسه [9] !

وعلى ذلك سقطت كل مدن الساحل الشامي من أنطاكية شمالًا إلى يافا جنوبًا، ولم يبق من كل هذه المدن العديدة إلا صور وعسقلان اللتان تأخر سقوطهما نسبيًّا، وظلتا فترة تحت الحكم العبيدي المصري!

أما المدن الداخلية فقد ذاقت هي الأخرى ألوان الذل، وإن لم تقبع تحت الاحتلال المباشر؛ فتانكرد على سبيل المثال حاصر حصن الأثارب غرب حلب - وهو حصن خطير في الطريق بين حلب وأنطاكية [10] ، وهو تابع لإمارة حلب - وعرض تانكرد فك الحصار في مقابل دفع رضوان مبلغ ثلاثين ألف دينار، ولكن رضوان لم يكن يريد دفع هذا المبلغ الكبير، ولم يكن يريد قتال تانكرد، فترك حصن الأثارب يسقط وكان ذلك في سنة (504هـ) ، وقتل الصليبيون ألفين من رجال المسلمين في داخل الحصن، وأسروا الباقي [11] ! لكن المشكلة الكُبْرَى أن السيطرة على هذا الحصن

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 121،120.

(4) أبو المحاسن ابن تغعري بردي: النجوم الزاهرة 5/ 179.

(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 136.

(7) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 137، ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص164،163، وذكر ابن الأثير أن تانكرد استولى على بانياس وجبيل والحق أنها جبلة أما جبيل فقد استولى عليها الصليبيون سنة 1104م كما مر بنا.

(8) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص168،167،

(9) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 139،

(10) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 156،155.

(11) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 140، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 156،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت