فهرس الكتاب
في ذلك الوقت كان جوسلين دي كورتناي - وهو أمير تل باشر، والقائد التالي مباشرة بعد بلدوين دي بورج - قد أطلق سراحه في مقابل عشرين ألف دينار [1] ، ومن ثَمَّ سعى بجدية لإطلاق سراح بلدوين دي بورج الذي أصبح الآن في قبضة جاولي الهارب من الموصل.
لقد صار الموقف في غاية التعقيد!!
مودود الآن يحكم الموصل، وجاولي يهرب ببلدوين دي بورج، وجوسلين دي كورتناي يحاول فك أسر بلدوين دي بورج، وإمارة الرها تحت حكم تانكرد منذ 4 سنوات، وكان تانكرد متسلطًا على شعب الرها وغالبه من الأرمن، وكان تانكرد مستقرًّا في أنطاكية بعد رحيل بوهيموند عنها، ولكنه كان ينيب عنه في الرها ابن عمه ريتشارد سالرنو [2] .
في ظل هذه الأجواء وصل جوسلين دي كورتناي إلى جاولي، وسرعان ما بدأ التفاوض المادي حول الأسير الأمير، ووصل الطرفان إلى إطلاق سراح بلدوين دي بورج في مقابل سبعين ألف دينار، إضافةً إلى وقوف بلدوين دي بورج إلى جوار جاولي والعكس أيضًا عند الأزمات العسكرية! أي أنها معاهدة دفاع مشترك [3] .
وأطلق سراح بلدوين دي بورج بالفعل وأسرع إلى إمارته، غير أنه فوجئ أن تانكرد يرفض تسليمه الإمارة بعد أن أعجبته لثرواتها وموقعها! وهنا لم يجد بلدوين دي بورج حلاًّ بديلًا للحرب لاسترداد إمارته من الصليبي تانكرد!
في هذا الوقت كان جاولي يحاول أن يكون لنفسه إمارة في المنطقة مستخدمًا جيشه الإجرامي، والمال الوفير الذي توفر في يده، وكان يسعى لتكوين هذه الإمارة على حساب بعض الأملاك لمملكة حلب المملوكة لرضوان بن تتش [4] .
وعلى هذا أدت هذه الظروف المعقدة إلى حرب عجيبة، قامت فيها أحلاف أعجب! فقد تحالف الصليبي بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي وجيشه مع المسلم جاولي وفرقته، ليحاربوا تانكرد الصليبي الذي تحالف مع رضوان بن تتش عدوه القديم، والذي يعاني الآن من هجمات جاولي!!
أيُّ غيابٍ للفهم هذا! وأي ضياع للعقل!
ودارت معركة بين الفريقين عند بلدة منبج غربي الفرات، وذلك في (502هـ) أكتوبر سنة 1108م وهُزم فريق بلدوين وجاولي، وكان النصر حليفًا لتانكرد ورضوان، غير أن بطرك أنطاكية تدخل في الأمر، وأمر بأن يعود بلدوين دي بورج لحكم الرها، ويبقى تانكرد في أنطاكية، وذلك حتى لا يستمر النزاع بين الصليبيين [5] !
في هذا الوقت كان الأرمن من سكان الرها يعتقدون أن هزيمة بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي ستمنعهما من العودة إلى الرها، فقاموا باجتماع كبير أظهروا فيه رغبتهم في الخروج كلية من سيطرة الصليبيين، وقد ضاقوا ذرعًا بحكم تانكرد لهم، ولن يختلف حكم غيره من الصليبيين عن حكمه [6] ، ولكن ما لبث بلدوين دي بورج أن ظهر في الصورة، ودخل المدينة حاكمًا، وعلم بهذا الاجتماع، ومن ثَمَّ انقلب على أهل المدينة، وعزل كل الكبار من الأرمن، بل هدد أسقف الكنيسة الأرمينية بسَمْلِ عينيه، ولم يفتدِ نفسه إلا بمبلغ كبير من المال، وكل هذا أدى إلى حالة كبيرة من السخط داخل المدينة [7] ، واضطراب عام في الأوضاع، وهذا - لا شك - سيكون له أثر في عدم استقرار تلك الإمارة.
وهكذا عاد تانكرد لحكم إمارة أنطاكية، بل إنه أفلح في استرداد اللاذقية من الدولة البيزنطية في نفس السنة، أي في سنة (502هـ) 1108م [8] ، وأصبح بلدوين دي بورج أميرًا من جديد على الرها، ولعله من المناسب أن ننظر نظرة إلى منطقة طرابلس؛ لأن الأحداث فيها في ذلك الوقت كانت في منتهى السخونة.
لقد كان الحصار مستحكمًا حول طرابلس بقيادة وليم جوردان خليفة ريمون الرابع وابن خالته، وهذا الحصار كان ريمون قد بدأه في سنة (495هـ) 1102م، أي منذ 6 سنوات كاملة، وفي غضون هذه السنوات الست لم تتلقَّ طرابلس أي مساعدة إسلامية خارجية، لا من الإمارات السنية المحيطة بها، ولا من الدولة العبيدية الشيعية المتمركزة في مصر، وكما هو معلوم فطرابلس كانت محكومة ببني عمار الشيعة، وكان أميرها هو فخر الملك ابن عمار.
لم يجد ابن عمار بُدًّا من ترك طرابلس تحت الحصار، وذلك في سنة (502هـ) 1108م ليذهب إلى بغداد لمقابلة الخليفة العباسي المستظهر بالله، والسلطان السلجوقي محمد للاستنجاد بهما وبجيوشهما [9] ، لكن للاختلاف المذهبي بين الفريقين لم يُقدِّم الخليفة والسلطان لابن عمار سوى
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 126.
ويذكر ابن الأثير: أن تانكرد طيب خاطر بلدوين دي بورج وأعطاه ثلاثين ألف دينار وخيلًا وسلاحًا وثيابا وغير ذلك انظر الكامل في التاريخ 9/ 126.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 126.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 129،128،
(9) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص160.