الصفحة 197 من 390

هذا الموقف، وراسل الشعب شخصية قوية تأتي لتسانده في هذه الأزمة، وهذه الشخصية هي قلج أرسلان سلطان سلاجقة الروم [1] !

رأى قلج أرسلان أن هذه فرصته لامتلاك الموصل، ولفتح الطريق لتوسيع مملكته، وجاء بجيشه إلى الموصل ففتح له السكان الأبواب وسط ترحيب، فدخل المدينة وملكها، ثم خرج لقتال جاولي سقاوو، ودارت موقعة كبيرة بينهما هُزم فيها قلج أرسلان، ثم اضطر إلى الهرب فسقط في نهر الخابور، ولم يستطع النجاة فغرق، ولم تظهر جثته إلا بعد عدة أيام [2] !

وهكذا جاء قلج أرسلان من آسيا الصغرى يدفعه طموحه لتوسيع ملكه، وتقوية سلطته، فإذا به جاء ليلقى حتفه في بلاد غريبة عن بلاده، وفي أرض يطؤها لأول مرة في حياته!! قال تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [3] . وشتَّان بين ميتة قلج أرسلان الذي ملك بلادًا واسعة، وجاء ليزيدها اتساعًا، وميتة سقمان بن أرتق الذي لم يملك إلا إمارة صغيرة، ولكنه مات وهو في طريقه لجهاد الصليبيين!

وعلى العموم فقد دخل جاولي سقاوو مدينة الموصل بعد غياب المدافعين عنها، وعامل أهلها في منتهى الغلظة، وأسرف جنوده في اضطهاد السكان، ثم لم يلبث جاولي سقاوو أن استقل بالمدينة سنة (502هـ) 1108م، وكان هذا متوقعًا من رجل شرس مثله، فاضطر السلطان محمد أن يرسل له أحد أتباعه لردِّ الموصل إلى سيطرة السلطان، ولكن في هذه المرة كان مبعوث السلطان رجلًا فاضلًا عالمًا مجاهدًا هو القائد الفذُّ مودود بن التونتكين، وهو من التركمان الأخيار، وحاصر مودود مدينة الموصل، وقاومه جاولي وجنوده، وحذر جاولي العامة من الاقتراب من الأسوار لعلمه بتعاطف العامة مع الصالحين وكراهيتهم له، وشدَّد عليهم في ذلك، لكن الشعب لم تمُتْ فيه النخوة، فاجتمعت طائفة من الشعب، وتعاهدوا على فتح الأبواب، واتفقوا على استغلال وقت صلاة الجمعة والجميع بالمساجد، فخرجوا بالفعل في ذلك الوقت إلى أحد الأبراج، وقاتلوا حرَّاسه وقتلوهم، وفتحوا الأبواب وهم ينادون باسم السلطان محمد، فأسرع إليهم جند السلطان بقيادة مودود، ودخلوا المدينة وقاتلوا جنود جاولي، وما لبثوا أن سيطروا على المدينة، غير أن جاولي هرب آخذًا معه صيدًا ثمينًا هو الأمير بلدوين دي بورج الذي كان أسيرًا في مدينة الموصل من أربع سنوات، وقد أخذه - لا شك - لأنه يعلم أن قيمته كبيرة، ويستطيع أن يفاوض عليه أو يبيعه [4] !

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 103،102، ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص198.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 107،106.

(3) (لقمان: 34) .

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 125،124 ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت