فهرس الكتاب
بالاشتراك مع جكرمش كما فصلنا، ولقد كان موته مؤثرًا جدًّا، حيث كان في سرية عسكرية هبت لنجدة طرابلس عندما استغاثه حاكمها ابن عمار لحصار ريمون ثم وليم جوردان لها، وعلى الرغم من كون ابن عمار شيعيًّا وجيشه كذلك، إلا أن سقمان بن أرتق رحمه الله لم ينظر إلى ذلك، إنما نظر إلى العدو المشترك للسنة والشيعة وهو العدو الصليبي، ومن ثَمَّ تقدم في بسالة، قاطعًا المسافات من حصن كيفا إلى طرابلس (ما يقرب من ستمائة كيلو متر) ، وكان سقمان مريضًا بداء الخوانيق - وهو مرض يعني حدوث اختناق في التنفس - وكان يأتيه في نوبات، فجاءته هذه النوبة وهو عند القريتين (على بعد 120 كم من طرابلس) ، وعرض عليه أصحابه أن يعودوا به إلى حصن كيفا؛ حيث لن يقدر على القتال في هذه الحالة، فقال كلمته الخالدة:"بل أسير، فإن عوفيت تممت ما عزمت عليه، ولا يراني الله تثاقلت عن قتال الكفار خوفًا من الموت، وإن أدركني أجلي كنت شهيدًا سائرًا في جهاد"، فساروا به صوب طرابلس، ولكنه مات بعد يومين [1] !!
إنه صورة مشرقة في وسط هذا الركام أبتْ إلا أن تلقى الله - عز وجل - مقبلة غير مدبرة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجعل مسيره هذا طريقًا له إلى الجنة.
واستكمالًا لبعض الأحداث المؤسفة نخوض قليلًا في تطورات الأحداث في الموصل، وما كنت أود أن أخوض في تفاصيل دقيقة لصراعات وأزمات، لولا أن أثر هذه الصراعات سيكون كبيرًا، فالموصل بالذات - كما ذكرنا - لها وضع خاص، ومنها خرجت وستخرج حركات جهاد كثيرة، وشعبها في ذلك الوقت على وعيٍ كبير، وعلم واسع، كما أن هذه التطورات ستؤدي إلى اختفاء شخصيات مهمة مرت معنا في قصتنا في أكثر من موضع.
كنا قد ذكرنا أن جكرمش أبدى الموالاة للسلطان محمد بعد وفاة السلطان بركياروق، ولكن مع مرور الوقت تثاقل جكرمش في إرسال الخراج إلى السلطان محمد؛ مما جعله يشكك في ولائه، وراسله في ذلك، فتعلَّل جكرمش، وهكذا تيقن السلطان محمد أن جكرمش يريد الانفراد بالموصل مستغِّلًا حب الناس له، فاضطر السلطان محمد أن يرسل أحد العسكريين الأشداء لاسترداد الموصل لصالح السلطان، ولكن - للأسف - هذا العسكري كان سيئ الخلق، وحشيًّا في تعاملاته، مكروهًا من العامة، وكان اسمه (جاولي سقاوو) وهو من الأتراك، فسار جاولي إلى الموصل، والتقى معه جكرمش في موقعة على ضفاف دجلة في سنة (500هـ) 1106م، وهُزم جكرمش بل أسر أيضًا، ولكن شعب الموصل رفض فتح الأسوار لجاولي سقاوو، وأقاموا عليهم زنكي بن جكرمش، وهو ابن زعيمهم المحبوب جكرمش، وهذا يدل على إيجابية عالية عند هذا الشعب الواعي، وإن كان الأَوْلَى أن تدخل الموصل تحت حكم السلطان محمد، لكن السيرة السيئة لجاولي سقاوو جعلت الشعب يأخذ
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 83،82.