الصفحة 202 من 390

4 -كما أن المذابح التي رأيناها في احتلال المدن الإسلامية أكثر بكثير من كل ما نشاهده الآن في المدن الفلسطينية.

5 -كما أن حالة الفُرقة بين المسلمين أشد وأعتى مما نعانيه الآن؛ فلو نظرت إلى سوريا فقط فإننا سنجدها في زمان الحروب الصليبية مقسمة إلى عدة إمارات منفصلة، منها حلب وحمص ودمشق وحماة وشيزر وبانياس وغيرها.

ومع كون الوضع مترديًا على هذه الصورة فإنَّ المسلمين - كما سيتبين لنا - استطاعوا الخروج من الأزمة ولو بعد حين، وعلى هذا فإذا كانت أزمتنا الآن أهون فخروجنا منها أسهل بإذن الله، وحتمًا - كما يثبت لنا التاريخ - يظهر بعد الليل الطويل فجرٌ سعيد.

ثالثًا: رأينا الأخطاء المتتالية التي ارتكبها الجيل الذي عاصر الحروب الصليبية، وهذه الأخطاء المركبَّة لم يقوموا هم وحدهم بدفع ثمنها بعد ذلك، بل دفعتها أجيال متعاقبة، ولسنوات طويلة؛ فقد شاهدوا على سبيل المثال تقاعسًا من المسلمين عن نصرة طرابلس المحاصرة، وظل الحصار كما رأينا سبع سنوات متصلة ثم سقطت طرابلس، واستمر هذا السقوط مائة وخمسًا وثمانين سنة!! أي دفع الثمن ستة أو سبعة أجيال متلاحقة، مما يبين أن حجم الخطأ الذي يرتكبه المرء قد يكون له ذيول وعواقب تضاعف من أثره ونتائجه، وعليه فلا ينبغي أبدًا أن يستهين الإنسان بالذنب أو الخطأ، ولعل المسلمين تخيلوا عند سقوط طرابلس أن هذا شيء عارض لن يستمر سوى عام أو عامين، ثم كانت العواقب كما رأينا.

وقد حذَّر رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن هذا قد يحدث مع الكلمة الواحدة، فكيف بالفعل والأفعال! يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَاسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ" [1] .

رابعًا: رأينا في المواقف السابقة تعاونًا مشينًا بين بعض القواد المسلمين كرضوان من ناحية أو جاولي من ناحية أخرى مع جيوش الصليبيين، وفي لحظة من اللحظات ظنَّ هؤلاء أن عزتهم ستكون بالارتباط بالقوة العسكرية الأولى في المنطقة، ثم رأينا سريعًا أن الصليبيين يتنكرون لهذا التعاون، وينقلبون على الزعماء المسلمين عند أول فرصة، ويبيعونهم بأبخس ثمن، فقد أدَّوا دورهم في مرحلة، ثم لم يعد لهم قيمة ولا نفع! لقد رأينا تانكرد لا يكتفي بالتنكر لعهده وحلفه مع رضوان، بل رأيناه يقف بجيشه على أبواب حلب يقصفها ويحاصرها ويمنعها الطعام والشراب، ويُمعِن في إذلال رضوان فيفرض عليه الجزية، ويسخر منه ويفضحه بين الناس!

(1) الترمذي: كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس (2314) وقال حديث حسن غريب، وابن ماجة (3970) ، وأحمد (7214) ، وابن حبان (5706) ، قال الألباني: صحيح (1618) صحيح الجامع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت