أمير مراغة، وأجرى معه مباحثات سرية وَعَده فيها بوعودٍ نظير إقناع الجيش المسلم بفك الحصار عن تل باشر! إنها الخيانة في أرض الجهاد، والطعن في الظهر للجيش الذي يُعلِّق المسلمون عليه آمالهم!
واستطاع أحمديل أن يقنع القادة المزعومين بضرورة التوجُّه لنصرة رضوان، واجتمع الأمراء على ذلك، واضطر مودود إلى الموافقة، ورفع الحصار عن تل باشر بعد مرور خمسة وأربعين يومًا كاملة [1] .
وتوجَّه مودود بالجيش المسلم إلى حلب؛ أملًا في ضمِّ قوته إلى قوة جيش رضوان لمواجهة تانكرد الصليبي، فليس المهم الآن هو إسقاط الرها ذاتها، ولكن المهم هو تحرير أيّ أرض إسلامية، ولو كانت بعيدة عن الموصل.
ولكن عند حلب حدث ما كان متوقعًا من رضوان! لقد أغلق المدينة في وجه جيوش الموصل والعراق وفارس، وأعلن أنه يخشى من هذه الجيوش أشد من خشيته من جيوش الصليبيين [2] !
وحدثت أزمة كبيرة؛ فالجيوش الإسلامية الآن توغلت جدًّا في البلاد، وبَعُدت عن مددها الأصلي في شمال العراق، ورضوان يُغلِق الحصون الحلبية في وجهها، ولو جاءت الجيوش الصليبية الآن فسيصبح الموقف صعبًا، خاصةً أن حصون الصليبيين قريبة في كل مكان، والمصيبة أن يخرج بلدوين دي بورج من حصونه في الرها لغلق باب العودة على الجيش الإسلامي، ولمنع المدد من الوصول إليهم! لقد وضع رضوان الخائن جيش المسلمين في مأزق حقيقي!
وإزاء هذا الوضع المتردي أفاق شعب حلب فجأةً، وقرَّر الخروج في مظاهرات عارمة لردع رضوان عن هذا التصرف المشين، إلا أنَّ رضوان قام باعتقال عدد كبير من أعيان المدينة ورؤساء القوم، واتخذهم رهائن لتهديد الشعب إذا استمر في رفضه [3] !!
إنها صورة مكرورة في التاريخ والواقع للقائد الذي يُبدِي كل التخاذل أمام أعداء الأمة، بينما يبرز سطوته وقهره على شعبه وأهله وأبناء دينه ووطنه!
ووجد مودود نفسه في خطر شديد، خاصةً أنَّ الأخبار ترامت أن رضوان عقد تحالفًا مع تانكرد نفسه لضرب الجيش الإسلامي! فقرَّر مودود أن يتجه جنوبًا ليبعد عن حلب، وليقترب من دمشق حيث إن الأمير طغتكين - وإن لم يكن مجاهدًا من الطراز الأول - أفضلُ من رضوان! وفي
(1) ابن العديم زبدة الحلب 2/ 159.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 144،
(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 159.