فهرس الكتاب
حوض نهر العاصي، وبالقرب من معرَّة النعمان حضر طغتكين أمير دمشق، والتقى مع مودود الأمير المَكْلُوم من الأمراء المسلمين، كما هو الحال من الأمراء الصليبيين [1] !
ودارت مباحثات بين زعماء الجيش الإسلامي العراقي والفارسي وبين الأمير طغتكين، وبدا واضحًا في المباحثات أن طغتكين - مع رغبته في قتال الصليبيين - كان يخشى هذا الجيش الإسلامي الكبير، ومع هذا الشعور المتوجس فإنَّ طغتكين استطاع أن يفرِّق بسهولة بين الأمير مودود وبقية أمراء الجيش؛ فالأول رجل يريد حرب الصليبيين لله - عز وجل -، ولا يريد ملكًا ولا ثروة، أمَّا الآخرون فهم كعامة الأمراء في هذا الزمن لا يريدون إلا الدنيا، وليس لهم في الجهاد نصيب!! ومن هنا نشأت علاقة مودة بين طغتكين ومودود إلا أنه كان يخشى من تأثير بقية الزعماء عليه [2] ، ومن ثَمَّ أصر طغتكين في المباحثات أن تجتمع الجيوش لمهاجمة مدينة طرابلس ليضمن بذلك أن يبعدهم عن دمشق، وفي ذات الوقت يضربون أخطر الزعماء الصليبيين بالنسبة له وهو برترام بن ريمون أمير طرابلس لقربه من أملاك طغتكين [3] .
لقد كانت تتنازع طغتكين عوامل الدنيا والدين، ورغبات النفس وأوامر الشرع، فخرجت أعماله مضطربة، لا هي بالجهاد الصريح كمودود، ولا هي بالعمالة الصريحة كرضوان! وأمثال هذا كثير، وهؤلاء - وإن كان فيهم صلاحٌ - لا يقدرون على التغيير!
وإذا كنا نرى هذه الأزمات الأخلاقية في الجيش الإسلامي، فإننا رأينا على الناحية الأخرى تماسكًا ملحوظًا في الكيان الصليبي؛ فقد أرسل تانكرد رسالة استغاثة إلى بلدوين الأول ملك بيت المقدس فورًا، يدعو أمراء طرابلس والرُّها وتل باشر للالتقاء جميعًا للتوحُّد في مواجهة المسلمين [4] !
إن الله - عز وجل - له سُنَّة لا تتبدل ولا تتغير؛ فالجيش الذي يسعى للوحدة بهذه الصورة لا بد أن تكون له رهبة وأثر، والجيش الذي لا يَقْوَى على التجمع والاتحاد - حتى في أحلك الظروف - جيشٌ لا يُتوقع له نصر!
وتأزَّم الموقف جدًّا في المعسكر الإسلامي، ودبَّ الرعب في أوصال معظم القادة، ومات سقمان القطبي فجأةً - لعله من الخوف - فقرَّر جيشه الانسحاب! وكانت علة مناسبة لهم لتجنُّب القتال، ومرض برسق أمير همذان، وقرر أن يعود هو الآخر لبلاده كي يُطبَّب هناك!! فانسحب جيشه أيضًا، أما أحمديل الزعيم الذي تفاوض سرًّا مع جوسلين فقد تعلَّل بوجود بعض المشاكل الداخلية في مراغة فقرر الانسحاب من المعركة، وهو بذلك يضرب عصفورين بحجر؛ فهو سيهرب من الصدام
(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص175.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 144، والباهر ص18،17.
(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 160.