الصفحة 214 من 390

مع الصليبيين، وكذلك سيسعى لتحصيل جزء من إرث سقمان القطبي الزعيم الذي مات منذ قليل [1] ، كذلك عاد جيش إياز بن إيلغازي إلى بلاده لهدف عجيب وهو الهجوم على جيش سقمان القطبي بعد وفاة قائده [2] ؛ ليغنم ما معهم!! غير أنَّ جيش سقمان انتصر عليه وغنموا ما معه، وساروا به إلى بلادهم!

هل يُصدِّق ذلك أحد؟!

هل يمكن للأمراء والزعماء أن يتفقوا جميعًا على الجبن والهروب والخيانة؟!

إنَّ هذا هو ما حدث بالفعل! وهو يفسر المصيبة الكبيرة التي ألمت بالمسلمين أيام الحروب الصليبية، وهو يفسر أيضًا النكبات التي تمر بالأمة في أيِّ فترة من فترات ضعفها، وليست أحداث 1948 أو 1967 منا ببعيد!!

وجد الأمير مودود رحمه الله نفسه وحيدًا في أرض القتال، ولم يثبت معه إلا جيشه، إضافةً إلى طغتكين أمير دمشق؛ وأقبلت الجيوش الصليبية من كل مكان، وبلغ عددها ستة عشر ألف مقاتل، وهو أكبر بكثيرٍ من القوة الإسلامية المتبقية.

في هذا الوضع الخطير جاءت رسالة من أمير شيزر سلطان بن منقذ يدعو فيها الجيش الإسلامي للقدوم إلى شيزر للتحصن بها، فتتحقق منفعة مزدوجة؛ فهذا حماية لشيزر من ناحية، وحماية للجيش المسلم من ناحية أخرى، وبالفعل توجه الجيش الإسلامي إلى شيزر، وتحصن وراء أسوارها، وجاء الجيش الصليبي وقد طمع في الجيش المسلم بعد هروب معظمه [3] !

كان موقع الجيش الإسلامي خطيرًا وهو في هذه العزلة عن بلاده؛ ولذلك لم يرغب الأمير مودود أن يبقى محصورًا في هذه المنطقة، ولم يكن أمامه إلا تخويف الجيش الصليبي لعلَّه يفتح له الطريق للعودة إلى بلاده؛ ومن هنا قرر الأمير مودود أن يخرج من الحصون ليناوش الصليبيين ثم يعود، وهكذا حتى يؤثِّر في الصليبيين فيتركوه يعود، ويرضوا منه بعدم القتال.

وللصدق الذي يراه الله - عز وجل - في قلب مودود ألقى سبحانه وتعالى الرهبة في قلوب الأعداد الكبيرة من الصليبيين، وبدءوا بالفعل يخشون الهجمات الجريئة للجيش المسلم، بل استطاع الأمير مودود أن يغنم بعض الغنائم من مؤخرة الجيش الصليبي!

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص177،176.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 144.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت