الصفحة 215 من 390

رأى الصليبيون أنه من الأسلم لهم أن يتركوا هذا المجاهد العنيد ليعود إلى بلاده؛ ليتفرَّغوا هم للملوك الضعفاء في الشام، أما مودود فكان واقعيًّا، ورأى أن الإصرار على الحرب نوعٌ من التدمير غير المقبول لجيشه، ومن ثَمَّ انطلق إلى الموصل، بينما عاد طغتكين إلى دمشق [1] !

لقد فشلت هذه الحملة في تحقيق مقاصدها، ولكنها حققت نفعًا واحدًا وهو كشف أوراق هؤلاء الزعماء، ليس أمام مودود فقط، ولكن أمام شعوبهم أيضًا، وعرف الناس على وجه اليقين مَن هو المخلص المجاهد، ومَن هو المنافق المتثاقل، ووضوح الرؤية هذا في غاية الأهمية لإكمال المسيرة، وحتى لا يبني الناس قصورًا من الرمال، ويُعلِّقون الأحلام الكبيرة على شخصية قد تُحسن الكلام ولكنها لا تعرف عن العمل شيئًا!!

ومع هذه الآلام المركَّبة التي عانى منها مودود رحمه الله فإنَّه لم ينسَ القضية، مع أنَّ إمارته آمنة، وبعيدة نسبيًّا عن الخطر، ومع أن ظروفه في بلده مستقرة، ويتمتع بحبِّ شعبه له، لكنه كان متجردًا لله - عز وجل -، فاهمًا للدَّور الذي عليه تجاه دينه وأمته، وهذا الذي دفعه لاستمرار المسيرة مع كل الخيانات التي تعرَّض لها؛ ولهذا نجده يُعِدُّ جيشه في ذي القعدة من نفس السنة، أي في سنة (505هـ) أيار 1112م، ويهاجم فجأة مدينة الرها مرة أخرى! إنه مع صلابة الاستحكامات، وقلة جيشه لا ييأس من تكرار المحاولة، ولكنَّ حصون المدينة كانت أشد من جيوش مودود، ففكر مودود في مهاجمة مدينة سروج [2] ، وهي مدينة كبيرة تقع في شرق الفرات بالقرب من الرها، وتعتبر المعقل الثاني للصليبيين شرق الفرات، ولكن مودود خشي أن يخرج بلدوين دي بورج من المدينة فيهاجم مؤخرة الجيش الإسلامي؛ ولذلك ترك قسمًا من الجيش يحاصر المدينة، وذهب بالقسم الثاني لحصار سروج، ولكن - للأسف - وصلت حركة هذه الجيوش إلى جوسلين دي كورتناي أمير تل باشر، وعرف أن مودود تحرك بقسم صغير من جيشه إلى سروج، فانتهز الفرصة، وأخذ جيشه وانطلق صوب سروج، وهناك استطاع أن يُلحِق هزيمة بجيش مودود، وقتل عددًا كبيرًا من رجاله، ويبدو أن مودود كان قد أخطأ التقدير لعدد جيشه، فتحرك بعدد قليل وسط جموع كبيرة من الصليبيين [3] !

وعلى الرغم من ثقل وَقْع الهزيمة على نفس مودود فإنَّه عاد مسرعًا إلى الرها لينضم ببقية جيشه إلى المسلمين المحاصِرين هناك للحصون.

في هذه الأثناء، وبينما تدور المعركة حول سروج كان الجيش الإسلامي في الرها قد نجح في عقد معاهدة سرية مع الأرمن في داخل حصون الرها [4] !، يتم بموجب هذه المعاهدة تسليم المسلمين

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 147،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت