فهرس الكتاب
إحدى القلاع المهمة التي تسيطر على القطاع الشرقي من المدينة، وبالفعل تسلَّم المسلمون القلعة، وبدءوا يتسربون منها إلى داخل حصون الرها، وجاء مودود في هذه اللحظات، وأسرع مع جنوده لإكمال إسقاط الرها، غير أنَّ جوسلين دي كورتناي كان قد قرأ هذه الأحداث، ومن ثَمَّ أتى قادمًا بجيشه من سروج إلى الرها، وإزاء هذا الوضع الجديد وجد مودود أن قوَّته المتبقية لن تفلح في هزيمة الجيوش الصليبية المجتمعة، ومن هنا قرَّر مودود رحمه الله الانسحاب مرة أخرى إلى الموصل [1] !
إنها المحاولات المتكررة دون يأسٍ، ولكنَّ الله - عز وجل - لم يُقدِّر بعدُ أن تُفتح الرها!
إنه الطريق الصعب للجهاد الذي ينتهي بالجنة دون اعتبار بالنتائج المتحققة، ما دام الجهد كله قد بذل، وما أروع أن يكون شهداء أُحُد في أعلى علِّيِّين، وأن يكون حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - هو سيد الشهداء في الجنة، مع أن الجميع قد استشهد في مصيبة كبيرة حلَّت بالمسلمين، لكن أدَّوا ما عليهم، ولم يتهاونوا أو يفرِّطوا!!
لكن قبل أن نستكمل قصة مودود لا بد من الوقوف مع ما حدث في إمارة الرها حين تراسل الأرمن - وهم مسيحيون - مع جيش المسلمين لتمكينهم من السيطرة على المدينة! إن هذا يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الأرمن كانوا يرون الحكم الإسلامي للمدينة أرحم وأعدل ألف مرة من الحكم الصليبي الكاثوليكي؛ مما جعلهم يضحون بأبناء دينهم، ويتعاونون مع المسلمين، ولم يكن هذا من رجلٍ دُفع له مال أو وُعِد بشيء، إنما كان من الشعب في معظمه، وهذا دليلٌ على صحة تقييم الحكم الإسلامي.
ولم يكن مستغربًا - طبعًا - بعد رحيل مودود أن تُقام المحاكم العسكرية الغاشمة من الصليبيين للأرمن في مدينة الرها، وكان متوقعًا أن تصدر الأحكام التعسفية ضد الشعب، وقتل عدد كبير منهم، ورُحِّل آخرون إلى خارج المدينة، وصار التعايش بين الأرمن والصليبيين صعبًا للغاية [2] ، خاصةً أن علاقة الأرمن ببلدوين دي بورج كانت مضطربة بعد عودته من الأسر سنة (501 هـ) \ 1108 م، أي منذ أربع سنوات سابقة.
وكان من الواضح أن الوضع أصبح خطرًا في داخل إمارة الرها؛ فقد أصبح بلدوين دي بورج يتشكك في كل من حوله مخافة الخيانة والتحالف مع المسلمين، بل إن بلدوين فَقَد صوابه تمامًا وتشكَّك في جوسلين دي كورتناي، وهو يعتبر الرجل الثاني في الإمارة، وذلك أنه رأى أن الأرمن يميلون له ويحبونه؛ فقام بعزله وطرده من الإمارة، مع أنه قدَّم له خدماتٍ جليلة من أيام أسر بلدوين دي بورج ومرورًا بالمعارك المختلفة مع المسلمين، وحفظ الأمن في إمارة الرها، وانتهاءً بالانتصار على