الفواحش مع النساء، ثم يُعطى الحشيش حتى يغيب عن الوعي ثانية، ويُخرج من هذه الجنة، وعند يقظته يُقال له: لكي تعود لا بد من طاعة الشيخ (الحسن بن الصباح) ؛ وهكذا يتكرر معه الأمر، حتى يصبح مدمنًا للحشيش، ويصبح أيضًا مدمنًا للجنة وملذاتها، ثم يطلب منه في يوم من الأيام أن يقوم بعملية اغتيال انتحارية على أن ينتقل بعدها للإقامة الدائمة في الجنة [1] !!
ولا شك أن الباطنية كانوا يختارون أتباعهم من بسطاء الفكر والدين، ومن الفقراء المقهورين، ومن الأعراب الجاهلين، فيصبحون بذلك طوع إرادة قادتهم يفعلون بهم ما يشاءون [2] .
وكانت الباطنية بصفة عامة يحترفون القتل بكل فنونه، ويجيدون تدبير المؤامرات، وحوادث الاغتيال، وكانوا عصابات مسلحة يصعب السيطرة عليهم، ومن ثَمَّ كان اسمهم يوقع الرهبة في قلوب عموم الناس، حُكَّامًا كانوا أو محكومين!
ولكونهم كانوا يدمنون الحشيش فإنهم عُرفوا في التاريخ بالحشَّاشين، وجرائمهم في تاريخ الأمة لا تحصى، نجحوا في كثير منها، وأخفقوا في أخرى، لكنهم كانوا دومًا مصدر رعب وهلع، ووسيلة عرقلة مستمرة لمسيرة الصالحين!
لذا لم يكن يستغرب أبدًا بعد هذا العرض أن يُقدِم باطنيٌّ على عملية انتحارية لقتل رجل من الرجال بتحفيز زعيمهم؛ لكي يدخل الجنة المزعومة، أو على الأقل ليحصل على الحشيش الذي تعوَّد إدمانه!!
وفي النهاية، فإن الحقيقة الكاملة في هذه الجريمة الشنيعة لا يعلمها إلا الله - عز وجل -، والمهم في القضية أن الأمة فَقَدت زعيمًا عظيمًا من زعمائها، حمل راية الجهاد ضد الصليبيين في وقتٍ تقاعس الجميع عن حمل هذه الراية الشريفة، ولا شك أن الأيام التي أعقبت استشهاده كانت صعبة على المسلمين، غير أني - وقبل الدخول في تحليل الوضع بعد استشهاد مودود - أودُّ أن أقف على حدثين عجيبين، ووجه العجب ليس في حدوثهما، ولكن في (توقيت) هذا الحدوث!
أما الحدث الأول فهو ظهور نجم عماد الدين زنكي في موقعة الصنبرة، وقبل استشهاد مودود بثلاثة أشهر فقط! والتوقيت عجيب جدًّا، فلماذا لم يظهر منذ فترة طويلة؟ ولماذا لم يظهر بعد وفاة مودود بفترة طويلة أخرى؟ نعم إن هذا بتدبير الله - عز وجل - وقدره، ولكننا نبحث عن الحكمة في ذلك، وعن الإشارات المهمة في هذا التدبير المحكم. إن هذا الظهور في هذا التوقيت لهو إشارة واضحة من الله - عز وجل - أن هذه الأمة لن تموت، فإذا فقدنا زعيمًا ظهر آخر، وإن استشهد مجاهد قام غيره، وهكذا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وهذا - لا شك - يحفظ الأمل في قلوب المسلمين، وراجعوا