أيضًا أن طغتكين غدر بالقاتل لأنه من الباطنية، وقد مرَّ بنا أن طغتكين كان يخاف من الباطنية، فليس متوقعًا أنه يغدر بهم مخافة أن يُقتل هو شخصيًّا.
سابعًا: إن لم يكن هناك دليل قوي على أن طغتكين هو الذي قتل مودود، ألا يجب أن نسأل مَن أكثر المستفيدين من قتل مودود، ثم نُوزِّع الاتهامات على المشتبه فيهم بدلًا من إلقائها بالكلية على طغتكين؟!
الواقع أن المستفيدين من قتل مودود كُثُر؛ هناك في مقدمة هؤلاء المستفيدين رضوان ملك حلب، الذي قد يكون أسرع باتهام طغتكين لينفي التهمة عن نفسه، ورضوان يكره مودود كراهية كبيرة جدًّا، ويخافه أيضًا خوفًا شديدًا جدًّا، ولا ينسى رضوان أنه أغلق أبواب مدينته في وجه مودود وجيشه سنة 505هـ، أي قبل سنتين فقط، ووضع بذلك مودود وجيشه في مأزق خطير، بل إن رضوان تحالف ساعتها مع تانكرد أمير أنطاكية ضد مودود [1] ! وأكثر من ذلك فإنَّ رضوان رأى من شعبه مظاهراتٍ تطالب بفتح الأبواب لمودود، فلا يستبعد أن يطالب الشعب الآن بضم حلب تحت إمرة مودود، وخاصةً بعد الانتصار المهيب الذي تحقق في معركة الصنبرة، والذي - لا شك - رفع أسهم مودود عند أهل حلب والمسلمين بصفة عامة، ثم إنَّ حلب هي الإمارة الملاصقة للموصل، وكثيرًا ما رأينا أن الذي يحكم الموصل يحكم حلب أيضًا؛ ولذا فتوسُّع مودود فيها يُعتبر توسعًا طبيعيًّا، إضافةً إلى أن علاقة رضوان بالباطنية قوية، بل إنه صار من دُعاتها والمؤيدين لها، وذلك على خلاف طبيعة شعبه ومعتقداته؛ كل هذه الأدلة تشير إلى أن رضوان هو المستفيد الأكبر من قتل مودود، فإذا زدنا على ذلك أن رضوان يبغض طغتكين جدًّا، ويخشى من توسُّعه على حسابه في إمارة حلب، بل كان يبغض أخاه دقاق زعيم دمشق السابق، وكان يقاتله في أحيانٍ كثيرة طمعًا في زيادة ملكه، وكذلك هناك في تاريخ رضوان جريمة اغتيال مشابهة عندما أوعزإلى الباطنية أن يقتلوا جناح الدولة حسين بن ملاعب أمير حمص بعد أن خاف على ملكه، مع أنَّ جناح الدولة كان متزوجًا من أمِّ رضوان شخصيًّا، لكنَّ هذه العلاقات لم يكن رضوان يضع لها أيَّ اعتبار، ومن ثَمَّ فيتوقع منه أن يُقدِم على أيّ جريمة في سبيل تثبيت أقدامه في الحكم؛ إذا وضعنا هذه النقاط إلى جوار بعضها البعض فإنني أرجح أن يكون رضوان هو الذي دفع لهذه الجريمة الشَّنعاء.
ومع ذلك فليس رضوان هو المستفيد الوحيد من قتل مودود، فهناك أيضًا الباطنية أنفسهم، ودون تحريض من أحد، وقد كانوا قوةً لا يُستهان بها في الشام حتى كان يخافهم أكبر زعماء الشام: رضوان وطغتكين، ولا شك أن ظهور شخصية مستقيمة مجاهدة سُنِّية كمودود، قد يُغلِق على الباطنية أبواب الفساد، ويمنعهم من حياة المجون والجريمة، وقد اشتهروا بحوادث الاغتيال المأجورة، ولا يستبعد أنهم قاموا بالجريمة من جَرَّاء أنفسهم.
كما أن من المستفيدين أيضًا الصليبيين، وليس من المستبعد أن يتعاون الصليبيون مع زعماء الباطنية، ويغرونهم بالمال أو بالسلاح أو بالقلاع في نظير التخلص من هذا القائد الفذِّ الذي أوشك على قلب أوضاع الصليبيين تمامًا في أرض الشام؛ وليس من المستبعد أيضًا أن تكون الجريمة قد تمت بالاتفاق بين الأطراف الثلاثة: رضوان والباطنية والصليبيين، أو باتفاق طرفين منهم، وكلهم عندي أقرب إلى هذه الجريمة من طغتكين أمير دمشق.
ولعلَّ سائلًا يسأل: كيف يُقدِم باطنيٌّ على هذه الجريمة وهو يعلم أنه سيُقتل لا محالة؟ وأيُّ معتقدٍ هذا الذي يدفع إلى هذه العمليات الانتحارية مع كون الباطنية منحرفي الفكر، مذبذبي العقيدة، بل هم خارجون بلا جدالٍ عن ملة الإسلام؟
إن طائفة الباطنية الإسماعيلية كانت قد انقسمت إلى فرقتين - كما مرَّ بنا في مقدمات هذا الكتاب - هما المستعلية والنزارية، وهما أولاد الخليفة العبيديّ المستنصر بالله، وذلك بعد موت المستنصر في سنة (487هـ) ، وتنازع الولدان الحكم، ولكن وزير مصر آنذاك وهو بدر الجماليّ وضع المستعلي - وهو الأصغر - في الحكم [2] ، وكان هناك أحد الوزراء الكبار في مصر وهو الحسن بن الصباح، وكان مؤيِّدًا لإمامة نزار؛ ولذلك فبعد تولية المستعلي انسحب الحسن بن الصباح من مصر إلى الشام آخذًا معه نزار، ومؤسِّسًا فرقة شنيعة من فرق الشيعة اسمها النزارية الإسماعيلية، وهي التي عُرفت في التاريخ باسم الباطنية؛ لأنهم كانوا يدَّعون أن كل آية في القرآن لها معنًى ظاهري يفهمه عوام الناس، ومعنى باطني لا يفهمه إلا هم، وعليه فقد فسروا القرآن على هواهم، ومن ثَمَّ خرجوا بتفسيراتهم ومعتقداتهم من الإسلام تمامًا [3] ؛ ثم إن الحسن بن الصباح - الذي تولى الزعامة الحقيقية في هذه الفرقة الضالة - كان يُسقِي أتباعه الحشيش (وهو النبات المخدِّر المعروف) فيخرج التابع عن الوعي، ومن هنا يبدأ في الطاعة المطلقة للشيخ، وهو الحسن بن الصباح. ثم إنَّ الحسن فعل ما هو أشد من ذلك، إذ أنشأ لهم حدائق واسعة سمَّاها الجنةَ، وأتى فيها بكل أنواع الثمار، وغرس فيها الأشجار، بل وأجرى فيها عدة أنهار صناعية صغيرة، وملأها كذلك بالفتيات رائعات الجمال [4] ، ثم كان يُعطِي الحشيش لأصحابه حتى يغيَّبوا تمامًا عن الإدراك، فيأتي بهم إلى هذه الجنة [5] ، وينتظر أن يصبحوا بين المنام واليقظة، فيأتي لهم بألوان الطعام والشراب، ويرتكب الأتباع
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 144.
(2) المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا 3/ 11.
(3) أبو حامد الغزالي: فضائح الباطنية ص11،