وأثبتوه، وكان من الأسباب التي دعتهم إلى هذا الاعتقاد سرعة قتل الباطني وإحراق جثته، وقالوا: إن هذا نوع من إخفاء الأدلة، والتخلص من سرِّ الجريمة [1] .
وأنا في اعتقادي أن المحرِّض على الجريمة لم يكن طغتكين؛ فالذين يعتقدون أنه طغتكين يرون أن أمير دمشق عندما رأى قوة مودود وجيشه خاف أن يكون كل غرضه من حرب الصليبيين هو امتلاك دمشق والشام؛ ولذلك تخلص منه قبل أن يضيع ملكه! وهذا الكلام مردود من أكثر من وجه:
أولًا: لم تظهر من مودود رحمه الله أيُّ نوايا غدر بطغتكين أو غيره، بل كان في غاية التسامح حتى مع مَن خانوه في أرض المعركة، وكان لا يريد أن يشغل نفسه بمعارك جانبيَّة مع المسلمين، وخَبُر ذلك طغتكين بنفسه - وهو سياسي محنك - وذلك على مدار ثلاث سنوات كاملة من جهاد مودود ضد الصليبيين.
ثانيًا: أعاد مودود رحمه الله جيشه إلى الموصل بعد انتهاء موقعة الصنبرة، ولم يدخل دمشق إلا في وفد صغير من خاصَّته، ولو كان ينوي الغدر لأبقى جيشه معه، وهذا - لا شك - طمأن طغتكين.
ثالثًا: أثبت ابن الأثير نفسه في كتاب الكامل قبل الحديث عن موقعة الصنبرة أن هناك علاقة"مودة وصداقة"نشأت بين طغتكين ومودود [2] .
رابعًا: ليس من المعقول أن يتخلص طغتكين من مودود، وهو يعلم أنه القوة الوحيدة التي يستطيع أن يحتمي بها إذا دهمه الصليبيون، ولا شك أن طغتكين كان يتوقع انتقامًا من الصليبيين بعد موقعة الصنبرة، فليس من المعقول أبدًا أن يختار هذا التوقيت فيشجع الصليبيين على سرعة الانتقام.
خامسًا: شاهدنا من طغتكين مواقف جهادية ضد الصليبيين أكثر من مرة، واطَّلعنا منه على بعض المواقف الإيمانية، مما يوحي أنه ليس رجلًا غادرًا إلى الدرجة التي يُقدِم معها على قتل أمل المسلمين واغتيال الرجل الصالح مودود، وهذا لا يعني أن طغتكين ليست له أخطاء، بل ارتكب وسيرتكب أخطاء قد تكون كبيرة إلا أنَّ جريمة بشعة مثل اغتيال مودود لا بد أن تستند إلى دليلٍ قوي، إن كان المتهم فيها هو طغتكين.
سادسًا: ليس بالضرورة أن تكون سرعة التخلص من القاتل دليلًا على أن طغتكين هو الآمر بالقتل؛ فإن طغتكين فعل ذلك لكي لا يُتهم بالتواطؤ مع القاتل، والرضا بفعله، ونحن نرى في مثل هذه الحوادث أنه يتم القبض على القاتل ثم يُسهَّل له الهرب بعد أن يقبض الثمن، وليس من المقبول
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 144.