فهرس الكتاب
خامسًا: ولعل من أهم ثمرات موقعة الصنبرة هو علو نجم البطل الإسلامي العظيم عماد الدين زنكي بن آق سنقر الحاجب، وقد أظهر في هذه المعركة من فنون القتال وبسالة الهجوم ما لفت إليه أنظار الجميع، وطارت أخباره في الآفاق، مما سيؤثر مستقبلًا في مسيرة الجهاد بصفة عامة، ولا شك أننا سيكون لنا وقفات مع هذا المجاهد الفذِّ، نستعرض فيها قصته بشيء من التفصيل.
دخل مودود بن التونتكين رحمه الله مدينة دمشق في 507هـ\ سبتمبر 1113م، عازمًا أن يبقى فيها فصل الشتاء؛ ليستغل هذه الفترة في تجميع جيوش جديدة والاستعداد لمواجهة جديدة مع الصليبيين [1] .
هذا ما كان يريده، لكنَّ أعداء الأمة ما كانوا يريدون ذلك، بل أضمروا صورة مقيتة من الغدر قلَّ أن نجدها في صفحات التاريخ!!
وما يحزن القلب حقًّا أن أعداء الأمة الذين نعنيهم في هذا الموقف ليسوا من الصليبيين، لكنهم كانوا من أبناء الإسلام!! أو من الذين يدعون ظاهريًّا أنهم من أبناء الإسلام!!
لقد دخل مودود رحمه الله إلى مسجد دمشق الكبير لأداء الجمعة الأخيرة في شهر ربيع الآخر سنة (507هـ) تشرين الأول 1113م، وفور انتهاء الصلاة، وبينما هو يتجول في صحن المسجد واضعًا يده في يد طغتكين، قفز عليه رجل من الباطنية، وطعنه بخنجر؛ فلقي مصرعه على الفور [2] ، ليختم بذلك حياة حافلة بالجهاد والبذل والعطاء، ونحسبه شهيدًا، ولا نزكيه على الله، والله حسيبه!
وبادر طغتكين فورًا بقتل الباطنيّ قصاصًا، بل وأحرق جثته [3] ، وأسدل الستار على أبشع جريمة ارتكبها الباطنية منذ حادث اغتيال نظام الملك الوزير السلجوقيّ العظيم.
ولكن لا بد من التساؤل: مَن وراء هذه الجريمة البشعة؟ ومن المستفيد من قتل عَلَمٍ من أعلام المسلمين كانت الآمال معقودة عليه ليحرِّر البلاد المسلمة من دنس الصليبيين؟
لقد روَّج رضوان زعيم حلب أن طغتكين أمير دمشق هو الذي حرَّض على قتل مودود رحمه الله، والتقط هذا الترويج المؤرخون الأقدمون مثل ابن الأثير وابن القلانسيّ وأثبتوه في كتبهم، ولكنهم ذكروه بصيغة الشك والتضعيف، حيث قالوا:"فقيل إن الباطنية بالشام خافوه فقتلوه، وقيل بل خافه طغتكين فوضع عليه من قتله" [4] . ثم تلقف المؤرخون المعاصرون من المسلمين والنصارى هذا الاتهام
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 150.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 150، ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص187.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 150، ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص187.