الصفحة 222 من 390

استمر حصار المسلمين لجيش الصليبيين مدة ستة وعشرين يومًا كاملة دون أن يجرُؤَ الصليبيون على الخروج لمواجهة شاملة، إلا أنه في (507هـ) أغسطس 1113م وصل أسطول أوربِّي يحمل ستة عشر ألف حاج صليبي مسلح إلى ميناء عكا القريب [1] ، ولا شك أن هذا العدد الضخم قَلَب الموازين لصالح الصليبيين.

شعر مودود رحمه الله بالخطر نتيجة تجمع هذه الأعداد الكبيرة من الصليبيين؛ ولذلك فكَّر في الانسحاب من طريقه مكتفيًا بالنصر الذي حققه، ومحافظًا على جيشه الذي لم يفقد في هذه المعارك إلا القليل جدًّا من رجاله، وبالفعل تحركت الجيوش الإسلامية صوب الشمال في اتجاه دمشق، ولم تفكر الجيوش الصليبية في متابعتها لإرهاقها الشديد، وهزيمتها النفسية نتيجة الخسائر الكبيرة، فضلًا عن خوفهم من هجوم عبيديّ أكبر على مدينة القدس.

وهكذا رضي الطرفان بهذه النتيجة، واتجهت الجيوش الإسلامية إلى دمشق حيث دخلتها في ربيع الآخر (507هـ) سبتمبر 1113م [2] .

ولا بد لنا من وقفة سريعة مع موقعة الصنبرة التي كان لها الكثير من الآثار الجليلة في قصتنا:

أولًا: أعادت هذه الموقعة الثقة للجيش الإسلامي وللمسلمين بصفة عامة، خاصةً بعد النتائج السلبية للحملات السابقة، وهي بذلك تعتبر من معارك ردِّ الاعتبار؛ ولذا فقد رَفَعت الروحَ المعنوية جدًّا للمسلمين، بينما أحبطت الصليبيين، وخاصةً أنهم لم يجرءوا على المواجهة برغم اجتماع جيوشهم.

ثانيًا: خسر الصليبيون في هذه المعركة أكثر من ألفي فارس، إضافةً إلى الغنائم والأسلاب، فضلًا عن خسارة عددٍ كبير من القلاع والحصون التي دُمِّرت في منطقة طبرية، بل وجنوبًا حتى مدينة القدس.

ثالثًا: ترسَّخ لدى المسلمين بعد هذه الموقعة مبدأ الهجوم على القوات الصليبية بدلًا من الدفاع، وهذا - لا شك - مبدأ عسكريّ إستراتيجي مهم، ويحتاج إلى روح قتالية عالية، وثقة بالنفس، وهو ما تحقق في هذه الموقعة.

رابعًا: وضحت أهمية الوحدة في الجيش الإسلامي، حيث تمت الموقعة باتحاد الموصل مع دمشق في الأساس، إضافةً إلى المساعدات الرمزية التي قدمها قميرك أمير سنجار، وإياز بن إيلغازي أمير ماردين.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت