فهرس الكتاب
دارت موقعة شرسة عند جسر الصنبرة - وهي ما عرفت في التاريخ بموقعة الصنبرة (خريطة 24) - وكان للمفاجأة عاملٌ كبير في تحويل دَفَّة المعركة لصالح المسلمين، وما هي إلا ساعات حتى سُحِق الجيش الصليبي، وقتل ما يزيد على ألفي فارس، وهرب بلدوين الأول بمشقة بالغة بعد أن دمرت فرقة من أهمِّ فرق جيشه! وغنم المسلمون غنائم هائلة في هذه المعركة من الخيول والسلاح والممتلكات [1] ، وكان يومًا ردَّ فيه مودود رحمه الله الاعتبارَ من هزيمة السنة الماضية عند حصون الرها، ومما هو جدير بالذكر أن هذه المعركة شهدت بزوغًا رائعًا لنجم إسلامي جديد كان في جيش مودود، وهو القائد العسكري الفذُّ عماد الدين زنكي، الذي أبلى بلاءً حسنًا في هذه الموقعة حتى وصف ذلك ابن الأثير بقوله:"وقد وصل في المهارة العسكرية إلى الغاية!" [2] .
ثم ما لبثت الأخبار أن أتت بقرب وصول جيش روجر وبونز، مع احتمال وصول إمدادات جديدة من بيت المقدس والمدن الساحلية؛ مما جعل مودود يفكر في سحب جيوشه بسرعة قبل أن تُحصر في طبرية.
خرج مودود فعلًا من منطقة المعركة ليتجنب الوقوع في كمائن الصليبيين، ثم ما لبثت الجيوش الصليبية أن تجمعت من جديد، لكنها لاحظت قوة الجيش الإسلامي وارتفاع معنوياته فقرَّرت عدم الدخول في مواجهة فاصلة؛ ولذلك احتمت بأحد المرتفعات غربي بحيرة طبرية، وتوجه إليهم المسلمون وحاصروهم، لكنَّ الصليبيين رفضوا النزول من أماكنهم، واكتفوا برمي المسلمين بالسهام والرماح من بُعد [3] . في هذه الأثناء كانت الجيوش الإسلامية - إضافةً إلى حصار الصليبيين في أماكنهم - تجوب المنطقة لتدمير الحصون الصليبية فيما بين عكا والقدس، كما حصلوا على كثيرٍ من الممتلكات الصليبية [4] .
ثم إنه في هذه الأثناء أيضًا تحرك جيش عبيديّ من عسقلان صوب بيت المقدس [5] ، وكان جيشًا صغيرًا لم يفكر إلا في إحداث بعض الهجمات الاستنزافية في المنطقة، ولم تكن له القدرة على قتال الحامية الصليبية القوية في بيت المقدس، ومع ذلك فقد أرعب هذا الجيش بلدوين الأول الذي خشي من تواصل هذا الجيش مع الجيش السلجوقي، ومن ثَمَّ يتأزم الموقف أكثر، إلا أنه - للأسف - لم تكن نية التعاون مع المسلمين السُّنَّة واردة مطلقًا عند الجيش العبيديّ؛ لذلك ما لبث أن عاد إلى عسقلان محمَّلًا ببعض الغنائم دون التواصل مطلقًا مع جيش مودود [6] !
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 153.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 149.
(4) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص186.