فهرس الكتاب
مختلفة تمام الاختلاف عن الهدف الذي من أجله أسِّست الهيئة، وإن ظلوا يحتفظون باسمهم"فرسان المستشفى" [1] .
وإضافةً إلى الإسبتارية، فقد أسِّست هيئة أخرى خطيرة هي هيئة"الداوية"، وقد تأسست هذه الهيئة على أساس عسكريّ من البداية، ومؤسِّسها هو أحد الفرسان الفرنسيين، واسمه هوجو دي باينز Hugue de payens، وقد اختار هذا الفارس جزءًا من المسجد الأقصى، والذي يُطلِق عليه اليهود هيكل سليمان؛ ليؤسِّس فيه جمعيته العسكرية، ومن هنا ففرسان هذه الجمعية يعرفون بفرسان المعبد Templars، نسبة إلى معبد داود، ولهذا عُرفوا بالداوية نسبة إلى داود، وقد ذهب مؤسس هذه الجمعية إلى فرنسا وإنجلترا، وبدأ بجمع الأنصار من الفرسان والنبلاء الراغبين في قضاء حياة عسكرية دينية في الأرض المقدسة، وكان عملها في البداية يقتصر على حماية الحجاج النصارى، ثم ما لبثت الجمعية أن أصبحت شريكًا في العمليات العسكرية الخطيرة في الشام.
وهكذا صار إنشاء هيئة الداوية، وتحول هيئة الإستبارية إلى النشاط العسكري سببًا في توفير قوة حربية دائمة لمملكة بيت المقدس، وصار لهم من السلطات ما يجعلهم في كثير من الأحيان مستقلين تمامًا عن سلطة ملك بيت المقدس شخصيًّا أو أسقفية بيت المقدس، ومن الجدير بالذكر أن هاتين الفرقتين كانتا من أشرس الفرق الصليبية في الحروب، ولم يكن هناك أيُّ نوعٍ من الأخلاق أو الالتزام بالعهود في قتالهم، على خلاف ما يوحي به اسمهما من ارتباط بالدين أو بالرحمة [2] !
ونعود في قصتنا إلى إيلغازي الذي لم تستقر له الأوضاع بصورة ترضيه، فكان جنوده كثيرًا ما يثورون عليه ويخالفونه، بل إن ابنه شخصيًّا أعلن الانفصال عنه والاستقلال بحلب سنة 515هـ\ 1121م، بل وعقد معاهدة مع الصليبيين أعطاهم فيها بمقتضاها حصني زردنا والأثارب [3] ، وهذا - لا شك - أفزع إيلغازي الذي أسرع إلى حلب، واستردَّ حكم حلب منه بعد تعنيفه، ثم توجه بجيشه لاسترداد زردنا، مما دفع بلدوين الثاني أن يأتي من بيت المقدس للدفاع عن الحصن التابع لإمارة أنطاكية، والتقى الجيش المسلم بالجيش الصليبي عند حصن زردنا، ولكن لم يحدث قتال، بل حدث تجديد للهدنة، وللأسف قَبِل إيلغازي بتسليم حصن زردنا [4] !
والواقع أن الناظر لحروب إيلغازي وسيرته سيتعجب من عدم إمكانيته دومًا من استغلال انتصاراته على الصليبيين، فهو لم يكن يصبر كثيرًا على القتال والحصار والمطاولة، ولا أعتقد أن هذا راجع إليه هو، ولكن إلى جيشه! فقد كان جيش إيلغازي مختلفًا عن جيش مودود رحمه الله؛ لأن جيش إيلغازي كان عبارة عن مرتزقة جمعهم من هنا وهناك، مغريًا إياهم بالغنائم والأسلاب؛ ولذلك فإن هؤلاء المرتزقة لم يكن عندهم صبر المجاهدين الذين يضحون بأوقاتهم وأعمارهم في سبيل الله، فضلًا عن أن إيلغازي نفسه لم يكن بيده من المال ما يفرِّقه عليهم كما يذكر ابن الأثير [5] ؛ ولهذا فإن إيلغازي مع كونه قد حقق انتصارات بعضها كبير على الصليبيين، إلا أنه وجيشه لم يكونوا بالذين يمكن أن يحملوا الراية الحقيقية للجهاد، ويصبروا على حملها.
وبينما كان الوضع كذلك في المنطقة الشمالية حدث أمران كان لهما إسهام بعد ذلك في بعض التغييرات في الأحداث، وهو أن السلطان محمود أقطع الأمير آق سنقر البرسقي إمارة الموصل للمرة الثانية، وكان قد تولى أمرها قبل ذلك من سنة (507) إلى (509هـ) ، وها هو الآن يتولى أمرها من جديد بعد مرور ست سنوات على عزله، وكان سبب ولايته أنه أظهر طوال هذه السنوات الولاء الكامل للسلطان محمود، ووقف إلى جواره في صدامه مع الملك مسعود أخيه، بل كان له دور ملموس في تهدئة الأمور والتوفيق بين الأخوين؛ مما جعل له مكانًا كبيرًا في قلب السلطان محمود، وقد مرَّ بنا أن هذا الرجل كان من الصالحين الأتقياء، مما سيكون له انعكاسٌ على أحداث الفترة القادمة [6] .
أما الأمر الثاني الذي حدث في سنة (515هـ) \1121م فهو مقتل الأفضل بن بدر الجماليّ وزير مصر العبيدية الأول، وذلك على يد أحد الباطنية الإسماعيلية [7] ! وقد يتعجب القارئ من مقتل الأفضل وهو إسماعيلي على يد الإسماعيلية، ولكننا نذكر أن الإسماعيلية انقسمت إلى فرقتين متعاديتين هما الإسماعيلية المستعلية التي ينتمي إليها الوزير الأفضل، والإسماعيلية النزارية المعروفة بالباطنية (الحشاشين) ، ولهذا تم هذا الاغتيال للانتقام من الأفضل الذي يعتبر الرأس الأولى للحكم في مصر، حيث إن الخليفة الآمر بأحكام الله كان مجرَّد صورة.
وبمقتل الأفضل بن بدر الجماليّ دخلت الدولة العبيدية في طور ضعف متدرج، وهذا - وإن كان سيؤمِّن ظهر مملكة بيت المقدس - سيكون له أثر إيجابي مستقبلًا عند العزم على توحيد الشام في زمان نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي.
وفي أواخر سنة (515هـ) وأوائل سنة (516هـ) \ 1122م كان هناك خليط من الأحداث المفرحة والمحزنة!
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 209، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 199.
(4) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 199.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 195.
(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 207.
(7) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 207،208.