فهرس الكتاب
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قام رجل اسمه دبيس بن صدقة، وهو شيعيّ عربي من قبيلة بني مزيد، قام بثورة في العراق، بل واتجه إلى بغداد وحاصر الخليفة، فاضطر الخليفة إلى الاستنجاد بالسلطان محمود الذي تحرك بجيشه ففرَّ دبيس بن صدقة بعد أن أحدث فسادًا كبيرًا في بغداد، وقد لجأ دبيس إلى شمال الجزيرة بالقرب من إمارة الرها حيث بدأ يعرض خدماته العسكرية على الصليبيين في مقابل تكوين إمارة خاصة له [1] !!
هذا الوضع المضطرب عزل الموصل كثيرًا عن ساحة الصراع الإسلامي- الصليبي، وهذا - لا شك - أراح الصليبيين كثيرًا؛ لأنه لو كانت الموصل بقوتها المعهودة مشتركة مع إيلغازي في معاركه لكانت أزمة الصليبيين كبيرة.
وفي نفس الوقت فإن الصليبيين في بيت المقدس وجدوا أنفسهم في مشكلة حقيقية؛ إذ أصبح لزامًا عليهم أن يوزِّعوا طاقاتهم للدفاع عن إمارة أنطاكية، إضافةً إلى مملكة بيت المقدس، وصار أعداء الصليبيين كُثُرًا؛ فهناك الأراتقة، وهناك طغتكين، وهناك إمارة صور الواقعة تحت سيطرة طغتكين، وهناك أيضًا عسقلان بحاميتها العبيدية، إضافةً إلى الدولة المصرية العبيدية التي - وإن كانت قد هدأت كثيرًا - ما زالت تترقب فرصة لاستعادة أملاكها في فلسطين.
هذا كله دفع مملكة بيت المقدس إلى محاولة تكوين فرقة عسكرية شرسة ثابتة تضمن الحفاظ على الأمن وسط كل هذه الأزمات، ومن ثَمَّ كان تكوين فرق الإسبتارية والداوية! وهما من أخطر الفرق العسكرية الصليبية مطلقًا!
أما الإسبتارية فهي هيئة تأسست قبل الحروب الصليبية بعدة سنوات، حيث أسَّسها بعض التجار النصارى الأوربيين كجمعية خيرية تهدف إلى علاج الحُجَّاج الفقراء مجانًا، وكانت مقامة إلى جوار كنيسة القيامة ببيت المقدس، وذلك ابتداء من سنة 1070م (أي قبل قدوم الصليبيين إلى القدس بتسعة وعشرين عامًا) ، وأطلق على العاملين بهذه الهيئة فرسان المستشفى Hospitallers، الذي حُرِّف بعد ذلك في العربية إلى"الإسبتارية" [2] .
وكان هؤلاء الإسبتارية يتبعون بابا روما مباشرة، وكانت بذلك لهم استقلالية خاصة، وقد قدموا الكثير من المعونات للصليبيين عند احتلالهم للقدس بحكم خبرة الإستبارية بالبلاد، وقد بدأ الصليبيون يشعرون بقيمتها فأغدقوا عليها العطايا، وكان لهم جامعون للتبرعات سواء من القدس وفلسطين أو من أوربا بكاملها، وهكذا صار لهم أملاك وضيعات وثروات هائلة.
وفي عهد بلدوين الثاني، ونتيجة للظروف الصعبة التي بدأ بها بلدوين الثاني حكمه، عمل بلدوين الثاني على تشجيع الإسبتارية وتقويتهم، ومن ثَمَّ عَظُم شأنهم جدًّا، وصار لهم أدوار عسكرية
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 219 - 221.