فهرس الكتاب
الحفاظ على المكاسب ويحرص على دوام التمكين، بل ويطمح في نشر دين رب العالمين في كل ربوع الدنيا.
وما أعمق الكلمات التي كان يحفز بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شعبه أثناء فترة مكة، حين كان يُعلِي طموحاتهم، ويرفع من همتهم، فلا يكتفي بفتح باب الأمل"باحتمالية"النجاة من اضطهاد أهل مكة، بل يؤكد على ذلك ويتجاوز هذا إلى طموحات رائعة حيث يقول:"وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" [1] ، بل إنه يقول لهم في صراحة:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تُفْلِحُوا" [2] . وقال لعمِّه أبي طالب:"إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية!!". قال أبو طالب: كلمة واحدة؟! قال:"كلمة واحدة". قال:"يا عم، قولوا لا إله إلا الله" [3] ؛ يقول هذا الكلام والمسلمون محاصَرون في مكة المكرمة، وهم بعيدون عن كل أسباب التمكين المادية!
لا بُدَّ إذن من وجود قوَّاد ومربِّين ومصلحين وعلماء يرفعون سقف أحلام المؤمنين، ويعيدون تربية الشعب على أساس متين، يستخلص بوضوح من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك من سير المجاهدين المجددين في تاريخ هذه الأمة، والذين استطاعوا أن يمكنوا للإسلام في الأرض.
ومع ذلك فإن مرحلة الأراتقة هذه كانت ضرورية، ولا بد أن نشكر جهودهم مع كونها كانت مؤقتة؛ إنهم حملوا الراية في زمان تخاذل الكثيرون عن حمل الراية، وداموا على الجهاد مع صعوبته، وألحقوا بعض الهزائم بالصليبيين منعتهم من التوسع الأكثر في بلاد المسلمين، ومهدوا لمن يأتي من بعدهم ليكمل المسيرة، وأنقذوا أرواحًا كانت من الممكن أن تزهق، وديارًا كانت من الممكن أن تهدم، ولعلهم لو ظهروا في زمانٍ اجتهد فيه من سبقهم في تربية الشعوب، وتعليم الناس، لكان لهم شأن آخر، ولكن الأمور تجري بالمقادير!
ونعود إلى أهل حلب!
لقد وجد أهل حلب أنفسهم في حيرة شديدة، وشعروا أن البلد بلا قائد ولا رابط، وأن قائدهم المفترض حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي ضعيف، وحتى لو جاء بجيشه فلن يستطيع أن يدفع
(1) البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3416) ، وأحمد (21110) ، وأبو داود (2649) ، وابن حبان (2897) .
(2) أحمد (16066) ، والحاكم (4219) وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والبيهقي (11424) ، وابن خزيمة (159) ، وابن حبان (6562) ، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد 6/ 19، وأورده الألباني في صحيح السيرة النبوية 1/ 143.
(3) رواه الترمذي (3232) ، وقال: حديث حسن.