الصفحة 246 من 390

واقع الأمر أن الأراتقة المجاهدين الذين رأيناهم في قصة الحروب الصليبية بدءًا من سقمان بن أرتق، ومرورًا بإيلغازي بن أرتق، وانتهاءً ببلك بن بهرام كانوا جميعًا من القادة الناجحين الذين يقودون شعوبًا فاشلة!

والقائد الناجح العظيم يفشل إن كان جنوده أو شعبه من النوعية الفاشلة؛ فجيوش الأراتقة، بل وشعوبهم، كانت تتحرك في هذه المعارك بدافع الحصول على غنيمة أو مال، وبدافع تغيير مستوى المعيشة إلى أوضاع أفضل، وبهدف ترك المدن الصغيرة والقرى للسكنى في المدن العظيمة كحلب وحرَّان، وهذه الجيوش لو انتصرت مرة أو مرتين لا يكتب لها دوام النصر، ولو مُكِّنت في قطعة أرض أو مدينة، فإنه لا يكتب لها دوام التمكين والسيادة؛ إذ سرعان ما تنهار عند أول أزمة تنذر بضياع المال أو النفس.

ولذلك فلكي يحقق المسلمون نجاحًا دائمًا وتمكينًا مستمرًّا، واستقرارًا في دولتهم، وهيبة لا تهتز عند الأزمات لا بد أولًا من تربية شعبٍ على معاني الجهاد وحب الشريعة، وهذا الشعب هو الذي سيُخرِج الجيش الفاهم والقائد الواعي الذي يستطيع أن يواصل مسيرة الجهاد الصعبة.

ولو راجعت قصص انتصار وتمكين خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي وقطز ومحمد الفاتح، وغيرهم من الذين مُكِّنوا في الأرض ستجد أن شعوب هؤلاء كانت شعوبًا عظيمة، وتربيتهم كانت تربية راقية، ومستواهم الإيماني والأخلاقي كان متميزًا، وكفاءتهم العسكرية والسياسية والإدارية كانت عالية.

إنها منظومة متكاملة تحقق النصر في النهاية، ولا يمكن أن يتم نصر متكامل مستمر لمجرد ظهور بطل متحمِّس، أو رجل يحب الشهادة!

وواقع الأمر أننا لم نر حتى الآن في قصة الحروب الصليبية من يتناول القضية بهذه الطريقة، إنما كان يتعامل المخلصون الذين ظهروا لنا في هذه القصة مع الموضوع بطريقة إدارة الأزمات، وبطريقة حكومة الطوارئ، التي تحاول قدر استطاعتها بإخلاص الخروج من الأزمة، لكن دون تخطيط حقيقي لمستقبل البلاد، ودون وضع خطط واضحة لضمان سلامة البلاد لعشرات السنين المستقبلية.

وهذا ما يحزننا في زماننا الآن، عندما نرى المتحمِّسين لقضية فلسطين أو العراق أو غيرهما من الأقطار الإسلامية المحتلة يقصرون همَّهم ووسائل مساعدتهم على جمع المال والإمداد بالغذاء والدواء، بل والمطالبة بالذهاب إلى هناك للقتال والاستشهاد! وهذا - لا شك - أمر مطلوب، ولكنه لا يكفي بمفرده، بل لا بد إلى جواره أن ننظر إلى المدى البعيد الذي نفلح فيه في تكوين شعب، وفي تربية جيل يستطيع أن يحقق كل الآمال، فلا يكتفي بتحرير البلاد المحتلة فقط، ولكن يسعى إلى الاستمرار في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت