الصفحة 245 من 390

قضت بتسليم المدينة إلى الجيش الصليبي في مقابل تأمين أرواح السكان بكاملهم، وبالفعل تمت الاتفاقية، وقام الصليبيون بترحيل أهل المدينة إلى خارجها [1] ، وبذلك سقطت المدينة الحصينة صور في 23 من جمادى الأولى سنة 518هـ\ أوائل يوليو 1124م، بعد أكثر من 25 سنة لدخول الصليبيين أرض الشام [2] !

وكانت صدمة كبيرة جدًّا للمسلمين، خاصةً أن هذه الصدمة تزامنت مع مماطلة بلدوين الثاني في تنفيذ شروط إطلاق سراحه، مما ينذر بضياع الفرصة الثمينة التي كانت في أيدي المسلمين!

رَفَع سقوط صور معنويات بلدوين الثاني، ومن ثَمَّ فقد قرر أن ينكث عهده في مسألة ردِّ الحصون الإسلامية، بل قرر أن ينقض الاتفاق من أساسه، فتحالف مع خصم تمرتاش، وهو دبيس بن صدقة الشيعيّ، والذي كان من المفترض على بلدوين أن يساعد تمرتاش في السيطرة عليه وإخضاعه، ثم جمع بلدوين الثاني جيوشه وجيوش أنطاكية، إضافةً إلى جيش الرها بقيادة جوسلين دي كورتناي، وكذلك جيش دبيس بن صدقة، وتوجَّه بكل هذه الجيوش إلى حلب لحصارها، وكان تمرتاش في ذلك الوقت في ماردين بعيدًا عن المشاكل [3] !

ومن المؤكد أن بلدوين الثاني كان مطمئنًا إلى أن الزعيم المسلم لن يقدم على قتل الرهائن لا لضعفه فقط، ولا لعلمه أن الشريعة الإسلامية تحرِّم قتل الأطفال؛ ولكن لأن الرهائن ورقة ضغط رابحة سيحبُّ تمرتاش أن يحتفظ بها إلى آخر مدى، فأراد بلدوين الثاني أن يمارس ضغطًا عنيفًا على تمرتاش، فيقبل في النهاية أن يُطلِق الرهائن نظير رفع الضغط العنيف من عليه.

وهكذا وجد أهل حلب أنفسهم محصورين بقوات بلدوين الثاني وجوسلين دي كورتناي ودبيس بن صدقة، وليس في وسطهم أميرهم ليدفع عنهم هذه الجيوش الضخمة!!

لقد كانت أزمة عنيفة!

وما أكثر الأزمات التي وقعت فيها حلب في خلال العقود الأخيرة، منذ أيام رضوان بن تتش ثم ابنه ألب أرسلان فالخادم بدر الدين لؤلؤ، وأخيرًا تحت حكم الأراتقة إيلغازي ثم بلك بن بهرام ثم حسام الدين تمرتاش.

وإن كنا نفهم الآلام التي مرت بها المدينة تحت حكم الطغاة رضوان وابنه ألب أرسلان ثم بدر الدين لؤلؤ، فلماذا تعاني المدينة تحت حكم الأراتقة، وهم كما رأينا قادتهم على قدرٍ لا بأس به من حبِّ الجهاد، وتوقير الشريعة؟!

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص211.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 229،228.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 230، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 223،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت