فهرس الكتاب
وجد آق سنقر البرسقيّ أمير الموصل أن هذه فرصة لا تُعَوَّض لمواصلة الجهاد ضد الصليبيين، خاصة أنَّ السلطان محمود قد أظهر رغبة في الجهاد قبل ذلك، ومن هنا تحرك بسرعة ملبِّيًا نداء أهل حلب، ووصلها بالفعل في ذي الحجة سنة 518هـ\ يناير 1125م؛ ليُوَحِّد بذلك بين الإمارتين الكبيرتين: الموصل وحلب [1] (خريطة 26) !
وإذا كنا قد رأينا شرًّا كبيرًا في غياب المجاهد بلك بن بهرام عن الساحة، وإطلاق سراح بلدوين الثاني دون فائدة تذكر، وحصار بلدوين وأعوانه لمدينة حلب، وغير ذلك من الأحداث المؤسفة؛ فإنه كان من وراء هذا الشرِّ خيرٌ كثير، وهو توحيد قوة الإمارتين المهمَّتين: الموصل وحلب. وهذه الوحدة وإن كانت لم تحقق أهدافها في أول أيامها، إلا أنها لفتت الانتباه إلى قيمة اتحاد هاتين الإمارتين، وبذلك يُعتبر هذا الحدث نواةً لما سيحدث مستقبلًا من اتحاد إستراتيجي مؤثر بينهما.
أما لماذا تعتبر هذه الوَحدة مهمة جدًّا، فذلك لأسباب عدة منها:
أولًا: تواصل إمارة الموصل مع إمارة حلب دون وجود فارق بينهما، يعني اتصال الجسر العسكريّ من العراق، بل من شرق العالم الإسلامي كله بما في ذلك فارس (مركز السلاجقة الرئيسي) ، مع أرض الشام حيث يوجد الصليبيون.
ثانيًا: الدعوات الجهادية الحقيقية كانت تظهر في الموصل، فإذا تَوَحَّدَت الموصل مع حلب فإنه يُتَوَقَّع أن تسري هذه الدعوة في حلب ومنها إلى الشام، بعد غياب حقيقي لهذه الدعوة في أرض الشام طوال السنوات السابقة.
ثالثًا: الإمكانيات البشرية والعسكرية للإمارتين كبيرة، فاتحادهما يعني تكوين قوة صلبة تستطيع مواجهة الصليبيين.
رابعًا: وجود حلب تحت حكم الموصل التابعة أصلًا للسلاجقة والخلافة العباسية سيضع المسئولية رسميًّا على السلطنة والخلافة، ولن يصبح الأمر مجرَّد تفضُّل بالمساعدة، أو تبرُّع بالجهاد.
خامسًا: الجيوش العسكرية العراقية كانت تعاني دائمًا من عدم وجود قاعدة انطلاق متقدمة في أرض الشام، ولعلنا نذكر الأزمة التي وُضع فيها مودود رحمه الله عندما أَغْلَق رضوان حاكم حلب أمامه أبواب المدينة عندما جاء بجيوشه للجهاد ضد الصليبيين.
سادسًا: هناك فرصة كبيرة لانتقال علماء المسلمين من العراق، وخاصة من الموصل وبغداد، لإعادة بناء أهل حلب والشام عقائديًّا وفكريًّا، وخاصةً أن سيطرة الباطنية على الأمور في أعظم مدينتين بالشام وهما: حلب ودمشق، أدى إلى كثير من الاضطراب في مفاهيم الناس.
(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص212،211، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 228.