عماد الدين زنكي شخصية فريدة في التاريخ الإسلامي، ورأينا كيف كانت جذوره طيبة، وقد ترك له والده آق سنقر الحاجب رحمه الله كلَّ خير، ورأينا كذلك تدرجه في الأعمال والمناصب حتى وصل إلى رئاسة إمارة الموصل، وهو منصب رفيع جدًّا، لكن كم من الأمراء وصلوا إلى هذا المنصب قبل ذلك، ولم يغيِّروا أحداث التاريخ! لكن عماد الدين زنكي لم يكن كعامة الأمراء بل كان متميزًا متفردًا مؤثرًا في كل من حوله، ناقلًا للأمة الإسلامية بكاملها نقلة نوعية كان لها من الأثر ما تجاوز عشرات السنين!
وما أبلغ ما قاله عماد الدين الأصفهاني وهو يصف عماد الدين زنكي رحمه الله حين قال:"كان قطبًا يدور عليه فلك الإسلام!" [1] . لقد صوَّر العماد الأصفهاني عماد الدين زنكي بأنه أصبح مركزًا لكل عمل مهم في الأمة الإسلامية، فصار كل شيء إسلامي في زمانه مرتبطًا به، متأثرًا بأفعاله! وهي درجة لا يصل إليها إلا أعاظم المسلمين، وأكابر المجددين.
إنني أعتبر عماد الدين زنكي بشخصيته المتميزة"رجل المرحلة"! إنه الرجل المناسب الذي توفرت فيه الصفات التي تؤهِّله للأخذ بيد الأمة في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة، وهذا من فضل الله عليه وعلى الناس، وهذا من رحمة الله - عز وجل - بالمسلمين، فهو يرزقهم في كل مرحلة من مراحل حياتهم قائدًا يحمل من الصفات ما يصلح لعبور هذه المرحلة بكل ما فيها من أزمات.
ولقد جمع عماد الدين زنكي من الصفات ما تجعله يصلح أن يكون"نموذجًا"للحاكم المسلم، بحيث تصبح أقواله وأفعاله وأخلاقه واختياراته معيارًا تستطيع أن تحكم به على صلاح حاكم أو فساده، وليس هذا مبالغة، بل هو قليل من كثير. ولعله من المناسب أن نقترب أكثر من شخصية عماد الدين زنكي فنطَّلع على جوانبها وصفاتها وأهم مميزاتها، وذلك قبل الخوض في تفصيلات قصته في إمارة الموصل، وخطوات تغييره للواقع الأليم الذي كانت تعيشه الأمة، وهذا الاقتراب من شخصيته سيضع أيدينا على المفاتيح المهمة التي ينبغي لكل مصلح أن يتحلى بها؛ ولذلك فهي من أهم النقاط في هذا البحث الخاص بالحروب الصليبية. وصفات الخير فيه كثيرة، ولكن من أهمِّها ما يلي:
أولًا: الإخلاص والتجرد لله:
وهذه كانت صفة غالبة على كل حياته رحمه الله، وبها كان يُنصر ويتمكن، ولعل القارئ يتعجب من ذكر صفة الإخلاص كصفة واضحة في حياة عماد الدين زنكي؛ لأن الإخلاص صفة قلبية، وهي بين العبد وبين الله - عز وجل -، ولا يطَّلع عليها عموم الناس، ولكن الإخلاص له شواهد
(1) البنداري: تاريخ دولة آل سلجوق ص185.