وعلامات، وكل هذه العلامات والشواهد رأيناها بوضوح في حياة عماد الدين زنكي؛ لذلك نشهد له بهذا، ونسأل الله أن يتقبل كل أعماله الصالحة.
فمن شواهد الإخلاص في حياته مثلًا ثباته على الفكرة طيلة أيام عمره؛ فقد جعل قضية إخراج الصليبيين من بلاد المسلمين قضية حياته، فبذل جهده في هذه القضية عشرين سنة متصلة هي مدة حكمه للمسلمين، هذا غير السنوات التي سبقت إمارته، والتي كان فيها يشارك الأمراء السابقين في غزو الصليبيين وجهادهم.
إن الرجل الذي يتذبذب بين الإخلاص لله والعمل للذات وللنفس، يغيِّر كثيرًا من قضاياه تبعًا للظروف، أما أن تمر الأعوام تلو الأعوام وعماد الدين زنكي لا يتغير ولا يتبدل، فهذا معناه أنه رجلٌ يعمل لله - عز وجل -.
ومن شواهد إخلاصه أيضًا تقديمه لمصالح المسلمين على مصلحته الشخصية، فقد خاطر كثيرًا بملكه الشخصيّ في سبيل نصر المسلمين، وما أروع ما فعل حين وُضع في مأزق عسكري في أحد حروبه ضد الصليبيين سنة (532 هـ) 1137 م، فقرر الاستعانة بجيوش السلطان السلجوقي مسعود، فقال له أحد المستشارين: إن هذا قد يشجِّع السلطان على ضم حلب إلى أملاكه؛ فتضيع بذلك من زنكي. فقال عماد الدين زنكي:"إن هذا العدو (الصليبيين) قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار!" [1] .
وهذه الرؤية الرائعة تختلف كثيرًا عن رؤية عموم الأمراء الذين رأيناهم في قصة الحروب الصليبية، حيث كان الأمير لا يخاطر بالاستنجاد بأميرٍ آخر خوفًا من أن يتملك هذا الأمير الجديد كل شيء، بل لا يمانع بعض الأمراء من الاستعانة بالصليبيين في سبيل الحفاظ على ملكهم، بل وأكثر من ذلك فقد دبَّر بعض الأمراء مؤامرات لقتل الزعماء المسلمين المجاهدين خوفًا من دخول إماراتهم تحت سلطة الزعيم المجاهد، وما أحداث قصة مودود رحمه الله منا ببعيد!
ومن شواهد إخلاصه أيضًا أنه كان يخاطر بحياته في المعارك فلا يقاتل في أخريات الصفوف، أو بمنأى عن المخاطر، بل كان يتقدم الجميع، وكثيرًا ما يكون أقرب الناس إلى العدو؛ ولقد فَرَش في ليلة من الليالي بساطًا كبيرًا، ووضع عليه الطعام، وكان محاصِرًا لإمارة الرها، فنادى في جيشه قائلًا:"لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن معي غدًا في باب الرها!"أي أنه سيصل في قتاله غدًا إلى أقرب النقاط من الحصن، حيث سيباشر محاولات كسر الباب بنفسه، وهذا سيجعله في مرمى سهام العدو، وسيعرِّض حياته للهلكة، لكنه كان يفعل ذلك دومًا رحمه الله؛ وعندما قال كلماته هذه لم يتقدم إليه ليأكل معه غير أمير واحد، وصبي آخر لا يعرفه! فقد أحجم الجميع لمعرفتهم بإقدام عماد
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 303.