الصفحة 270 من 390

الدين زنكي ورغبته الصادقة في الشهادة، وقد قال الأمير للصبي الصغير: ما أنت وهذا المقام؟ فكأنه يستصغر شأنه، ويشك في ثباته، فقال عماد الدين زنكي:"دعه؛ فإني أرى - والله - وجهًا لا يتخلف عني!"، وقد كان وثبت الصبي معه [1] !

ومن شواهد إخلاصه أيضًا اجتماع الناس على حبِّه؛ فقلوب العباد بين أصابع الرحمن سبحانه وتعالى، وقد رأينا اجتماع أهل البلاد المختلفة على حبه، ورأينا اجتماع الوزراء والقضاة وعلماء الدين على هذا الحب أيضًا، ومن اجتمع له حب الناس بهذه الصورة فهو دلالةٌ على حب الله له، والله لا يحب إلا المخلصين له.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ؛ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ؛ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ" [2] . فإذا رأيت حاكمًا قد وُضع له القبول في الأرض فأحبه الناس، فهذا علامة على إخلاص هذا الحاكم وحب الله له.

ومن شواهد إخلاصه رحمه الله أيضًا أن الله - عز وجل - نصره في معظم لقاءاته مع الصليبيين، والله - عز وجل - لا ينزل نصره إلا لأحبابه وأنصاره ومن أخلصوا له، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ ومنها على سبيل المثال: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [3] ، ومنها: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ [4] ، (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [5] .

ومن شواهد إخلاصه أخيرًا حسن الخواتيم، فسوف نرى أنه سيُقتل رحمه الله في ميدان الجهاد، فهذه الخاتمة في هذا الميدان هي من أسعد الخواتيم، وهي أمنية الصالحين، ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد عن عمر الجُمَعِيِّ:"إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله قبل موته". فسأله رجل من القوم، وما استعمله؟ قال:"يهديه الله - عز وجل - إلى العمل الصالح قبل موته، ثم يقبضه على ذلك" [6] .

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 331.

(2) البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (3037) ، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده (2637) ، والنسائي في سننه الكبرى (7747) ، وأبو نعيم في الحلية 7/ 141 ..

(3) (الحج: 40) .

(4) (آل عمران: 160) .

(5) (المائدة:56) .

(6) الترمذي: كتاب القدر، باب إن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار (2142) ، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (17256) واللفظ له، وابن حبان (341) ، والحاكم (1257) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني: صحيح. انظر: (305) صحيح الجامع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت