فهرس الكتاب
فهذه بعض الشواهد على إخلاصه رحمه الله، وهي سر تفوقه وتميزه، فإن الله كان معه في كل خطواته، مع نشأته يتيمًا ووحيدًا إلا أن الله سخَّر له من يتولى شئونه، ويرعى أموره حتى صار إلى ما صار إليه.
ثانيًا: توقيره رحمه الله للشريعة والدين:
وهذا أمر واضح في حياته رحمه الله، فقد حرص على إقامة الحدود الشرعية في كل المناطق التي يحكمها، وكان يلتزم بحكم الشريعة ويلزم بها الناس، وما أكثر المواقف في حياته التي كان يجمع فيها الفقهاء ليأخذ رأيهم في المسألة! وكان يُعطِي العلماء في إمارته منزلة عظيمة؛ قال ابن الأثير عن القاضي بهاء الدين الشهروزري:"أن عماد الدين زنكي كان لا يصدر إلا عن رأيه" [1] . ومثل هذا الكلام قيل في معظم العلماء الذين عاصروا عماد الدين زنكي، وقد استقدم عماد الدين زنكي العلماء من كل مكان، وأوكل لهم رعاية أمور الناس، بل أوكل لهم تربية أبنائه [2] ، فخرج أبناؤه على نفس الصورة البهية وأكثر، وخاصةً نور الدين محمود وسيف الدين غازي.
ولعل مما يؤكد على حبه للدين أنه سمَّى أولاده كلهم بأسماء مرتبطة بالدين، فأولاده هم: سيف الدين، ونور الدين، وقطب الدين، ونصرة الدين؛ وهذه - والحمد لله - كانت سمة عامة في هذا الجيل؛ ولذلك كتب الله له النصر، فآق سنقر سمَّى ابنه عماد الدين، ووُلد في هذه الفترة أيضًا صلاح الدين الأيوبي، وكان القاضي لعماد الدين هو بهاء الدين، وكان نائبه هو نصير الدين، وهكذا؛ وهذا على خلاف الفترة السابقة لهذا الجيل، حيث كانت أسماء الملوك والأمراء ترتبط بالدولة والملك؛ ولذلك كثرت حينها الأسماء مثل: شرف الدولة، وجناح الدولة، وعضد الدولة، وبهاء الدولة، وتاج الملوك، وشمس الملوك، وما شابه ذلك من أسماء تدل على التمسك بالحكم لا بالدين.
ومع هذا التوقير الشديد للعلماء إلا أن عماد الدين زنكي رحمه الله ما كان يبخل بالنصح والإرشاد للعلماء بقدر طاقته، وما أروع ما قاله لهبة الله بن أبي جرادة، وهو من العلماء الأجلاء، عندما ولاَّه قضاء حلب حيث قال له:"هذا الأمر قد نزعته من عنقي، وقلدتك إياه، فينبغي أن تتقي الله [3] "!! وهذا من شدة توقيره للشريعة والدين، حتى أصبح آمرًا للعلماء أن يتقوا الله.
ثالثًا: الشجاعة:
وهذه صفة لازمة حتمية لكل من أراد أن يتولى شئون القيادة والإمارة، وما أتعس الأمة لو تولى شئونها من يتصف بالخوف، أو يغلب عليه الجبن!
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243.
(2) ابن الأثير: الباهر ص97.
(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 275،274.