الصفحة 273 من 390

يأخذ تبنًا لفرسه من فلاح بلا ثمن [1] ، مع أن التبن سيؤخذ علفًا لخيول الجهاد إلا أن ذلك لا بد أن يكون بالثمن!

وإذا كان عماد الدين زنكي لا يسامح جنوده في تبنٍ أخذوه بغير ثمن، فما بالك بالأراضي والأملاك والديار؟!

لقد كان من عادة الأمراء قبله أنهم إذا دخلوا مدينة أو قرية كانت في حوزة غيرهم أخذوها وقسموها على الأجناد، وبذلك تضيع ملكيات المالكين الأصليين، حتى جاء عماد الدين زنكي فأقر نظام الإقطاعيات ورفض نظام الأملاك، بمعنى أنه كان يعطي الأمير أو الجندي إقطاعية معينة في البلد المفتوحة يتولى إدارتها وتنظيمها وحمايتها دون أن يتملكها، بل تبقى الملكية في يد المالك الأصلي، ويدفع المالك ضريبة معينة مخففة للحكومة نظير التأمين والرعاية، ومن هذه الضريبة يأخذ الأمير صاحب الإقطاع شيئًا؛ أما الأرض فتبقى في يد مالكها ويتوارثها أبناؤه. ولما ذهب إليه بعض أمرائه وجنوده الكبار يطلبون أملاكًا، كما يفعل الزعماء غير عماد الدين زنكي، قال لهم عماد الدين زنكي كلامًا من نور! حيث قال لهم:"ما دامت البلاد بأيدينا (أي نحكمها) ، فأيُّ حاجةٍ بكم إلى الأملاك؟! فإن الإقطاعات تغني عنها، فإن خرجت البلاد من أيدينا، فإن الأملاك تذهب معها (أي إذا تملك الصليبيون البلد، فلن تنفع حينئذٍ ملكيته) ، ثم يكمل ويقول:"ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم، وغصبوهم أملاكهم" [2] ."

إنه في هذا التصرف العادل يضع مصلحة الشعب والفقراء والبسطاء والضعفاء فوق مصلحة الأمراء والقادة ورجال الحكومة، لكنه في الوقت نفسه طمأن قلوب الأمراء بأنه جعل لهم الإقطاعيات، بمعنى مراكز القيادة والإدارة، وجعل لهم دخلًا يتناسب مع حجم الإقطاعية، فتحقق لهم ربح وفير دون الإخلال بحقوق الشعب، بل إنه أدخل نظام التوارث في الإقطاعية، فكان كثيرًا ما يُعطِي منصب حاكم الإقطاعية لابن الأمير حال وفاة الأمير؛ ليطمئن الأمير على مستقبل أولاده، فلا يسعى في حياته إلى ظلمٍ يحفظ به أولاده بعد مماته.

ومن أروع مواقف عماد الدين زنكي بخصوص قضية الأملاك والإقطاعيات ما حدث عند فتحه للمعرَّة، وأخذها من يد الصليبيين بعد احتلال عدة سنوات!

لقد كان عماد الدين زنكي حنفيَّ المذهب، وفي مذهب أبي حنيفة أن الأرض إذا احتلها الأعداء غير المسلمين صارت دار حرب، ثم إذا ردَّها المسلمون بعد ذلك صارت من أملاك الدولة،

(1) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 283،284.

(2) ابن الأثير: الباهر ص77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت