فهرس الكتاب
فيأخذها بيت المال، ويقسِّمها بمعرفته على مَن شاء من الناس دون النظر إلى الملكية السابقة للأراضي والديار.
فعند فتح المعرة جاء أهلها السابقون من كل مكان يطلبون أملاكهم القديمة، فجاء عماد الدين زنكي بالفقهاء ليقولوا رأيهم في المسألة، فأفتوا جميعًا برأي أبي حنيفة؛ حيث إنهم جميعًا كانوا من العراق حيث ينتشر المذهب الحنفي، وقالوا: إن الأرض لم تعد ملكًا لهم، بل لبيت مال المسلمين (أي للدولة) !
فماذا فعل عماد الدين زنكي رحمه الله؟!
لقد قال عماد الدين زنكي في فقهٍ عميق:"إذا كان الفرنج (الصليبيون) يأخذون أملاكهم، ونحن نأخذ أملاكهم، فأيُّ فرقٍ بيننا وبين الفرنج؟ كل من أتى بكتاب يدل على أنه مالك لأرض فليأخذها". وبذلك ردَّ عماد الدين زنكي إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يتعرض لشيء منها [1] .
وكان من منهجه رحمه الله ألا يبقي على مفسد، وأنه يهتم بالأمن ونظامه في كل مكان، فساد الأمن في كل مكان، وقد كان هذا الأمن مضطربًا جدًّا خلال الفترة التي سبقت حكم زنكي، وكان الناس لا يستطيعون قطع المسافات الطويلة دون حراسة، حتى إن أهل الموصل كانوا لا يستطيعون الذهاب إلى الجامع الكبير الذي أُنشِئ خارج البلد إلا في يوم الجمعة؛ وذلك خوفًا من السير بمفردهم دون حراسة، لكن بعد حكم زنكي انتشر الأمن والأمان، بل زاد العمران، وعمت البركة، وتوسع الناس في البناء [2] .
وهكذا سخَّر عماد الدين زنكي قوته لإرساء العدل، فتحقق مراده، بل أنعم الله - عز وجل - عليه وعلى شعبه بما لا يتخيلون من خير وبركة.
ولم يكن هذا العدل خاصًّا برعيته المسلمين فقط، بل شمل اليهود والنصارى، فقد كان في ذات يوم في جزيرة ابن عمر، فدخل عليه يهوديٌّ يشتكي أن عز الدين أبا بكر الدبيسي - وهو من أكبر أمراء عماد الدين زنكي - أخذ داره ليسكن فيها مدة بقاء الجند في الجزيرة، فنظر عماد الدين زنكي نظرة غضب شديدة لعز الدين ولم يكلمه كلمة واحدة، فتأخر عز الدين القهقرَى، وعاد إلى البلد فأخرج خيامه ونصبها خارج البلد في مطر شديد، ولم يستطع أن يؤخِّر إعادة الحق إلى اليهودي ليلة واحدة [3] !
خامسًا: رقة القلب والمشاعر:
(1) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 75.
(2) ابن الأثير: الباهر ص77.
(3) ابن الأثير: الباهر ص77.