فهرس الكتاب
ولعل الكثيرين يتعجبون من وجود هذه الصفة في عماد الدين زنكي، أو في معرض حديثنا عن صفات الحاكم المسلم متمثِّلة في عماد الدين زنكي!
ووجه العجب أن الذي يشتهر عادةً عن القادة العسكريين هو الغلظة والجفاء وقسوة القلب، كما أن الحاكم بما يقيمه من حدود، وبما في يده من وسائل للعقاب قد يأخذ صورة مخالفة للرقة والرأفة، غير ما اشتهر - للأسف الشديد - في بعض الكتب عن عماد الدين زنكي شخصيًّا أنه كان قاسيًا غليظًا!
وواقع الأمر أن صفة رقة القلب والرحمة من الصفات اللازمة للحاكم المسلم، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس، مع كونه حاكمًا وقائدًا ومجاهدًا من الطراز الأول. وكانت هذه الصفة موجودة أيضًا في عماد الدين زنكي، ولكن لجديته الشديدة ولانشغاله طيلة حياته بالأمور الجسيمة العظيمة، وبتحرير بلاد المسلمين من الغاصبين أُخذ عنه الانطباع بالقسوة والغلظة على خلاف طبيعته.
إن ما ذكرناه سابقًا عن رفقه بالفلاحين، وخوفه على أرزاقهم وأملاكهم وزرعهم وتبنهم، لا يمكن أن يكون إلا من قلب رقيق مفعم بالمشاعر.
ثم إنه كان لا يؤاخذ الناس بالخطأ الأول، وكان يعفو ويصفح إلى أبعد الحدود، ولا يعزل أحدًا من منصبه إلا بتكرار الخطأ، أو بارتكاب ما لا يجوز معه الغفران؛ ولذلك فإن معظم من عيَّنهم في الإمارات المختلفة ظلوا معه إلى آخر لحظات حياتهم، أو إلى آخر حياة عماد الدين زنكي نفسه؛ لأنه كان دائم الصفح عنهم.
وكان من عادته رحمه الله أن يتصدق جهرةً كل جمعة بمائة دينار [1] ، وذلك رحمة منه على الفقراء والمساكين، وكان يفعل ذلك جهرة ليشجع الأغنياء على الاقتداء به، فيعم الخير على الجميع، لكنه كان له في كل يوم صدقةٌ كبيرة لا يعرفها إلا وزيره فقط، وفي هذا تُروى قصة لطيفة!
كان عماد الدين زنكي في يوم يركب خيله فعثرت به، وكاد يسقط من فوقه، فنادى على أمير كان معه، وقال له كلامًا وهو حزين أو غاضب، فلم يتبين الأمير ماذا قال عماد الدين زنكي، ولكنه شعر بغضب عماد الدين زنكي، وظن أن هذا الغضب تجاهه هو، ولم يتجاسر على سؤاله، فأسرع إلى بيته ليعلن لزوجته خوفه الشديد من أن يكون قد أخطأ، فنصحته زوجته أن يذهب إلى نصير الدين جقر نائب عماد الدين زنكي، ويحكي له القصة، لعله يجد حلاًّ عنده! وبالفعل ذهب إلى نصير الدين جقر وحكى له، فقال: لا عليك، إنما كان يطلب منك هذه الصُّرَّة. وأخرج صُرَّة كانت معه وأعطاها للأمير! فحملها الأمير إلى عماد الدين زنكي فأخذها راضيًا، فرجع الأمير إلى نصير
(1) ابن الأثير: الباهر ص81.