فهرس الكتاب
الدين جقر وقال له: كيف علمت أنه يريد الصرة؟ فقال: إنه يتصدق بمثل هذا القدر كل يوم، يرسل إليَّ يأخذه من الليل، وفي يومنا هذا لم يأخذه، ثم بلغني أن دابته عثرت به حتى كاد يسقط إلى الأرض، فأرسلك إليَّ، فعلمت أنه ذكر الصدقة [1] .
لقد ربط عماد الدين زنكي بين تأخُّره في إنفاقه للصدقة، أو نسيانه لها وبين تعثر دابته، وهذا من شدة حساسيته، ورقة مشاعره، والتفاته إلى الإشارات والحوادث، ولا يأتي كل ذلك إلا من قلب رقيق. ثم انظر إليه وهو في غاية الشغل كل يوم بقتال وخطة وإدارة دولة كاملة، ثم هو لا ينسى أن يتصدق يوميًّا على الفقراء والمحتاجين.
إنه لا يتكلف الرحمة، إنها مزروعة في قلبه!
ومن رقة مشاعره أنه كان لا ينسى من أسدى إليه معروفًا، حتى لو مر زمان طويل على هذا المعروف، وقصته مع نجم الدين أيوب معروفة؛ إذ إن نجم الدين أيوب أسدى معروفًا إلى عماد الدين زنكي في سنة (526هـ) 1131م حيث آواه في قلعته التي يحكمها في تكريت حين هُزم زنكي في أحد معاركه [2] ، وردَّ له زنكي الجميل بعد ذلك بثماني سنوات في سنة (534هـ) 1139م، عندما ولاه حكم مدينة بعلبك بعد فتحها [3] ، ولا يخفى على أحد أن هذا الرجل الذي يتذكر جميلًا فُعل فيه منذ ثماني سنوات هو رجل وفيّ، رقيق المشاعر.
بل إنه لم ينس ناصر الدين كوري بن جكرمش فأقطعه إقطاعًا؛ اعترافًا بجميل والده، مع العلم أن والده جكرمش قدَّم لعماد الدين خدمةً برعايته، والاهتمام به منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا [4] !
لقد كان عماد الدين زنكي رجلًا وفيًّا رحيمًا رقيقًا، غير أن الانطباع الذي أخذ عنه بالقسوة لم يكن لشيء إلا لأنه كان جادًّا جدًّا في حياته؛ مما أوهم كثيرًا من الناس أنه غليظ الطباع، وهو على العكس من ذلك تمامًا، ولعل الصفة التالية التي سنتحدث عنها ستفسر لنا هذا التناقض الذي يراه بعض المؤرخين.
سادسًا: الجدِّيَّة:
وُلد عماد الدين زنكي ونشأ وعاش في ظروف تفرض عليه الجدِّيَّة في كل أموره، فقد وُلد في زمان فتن، كان التصارع فيه بين الأمراء المسلمين مشتهرًا، وقُتل أبوه في واحد من هذه
(1) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 105.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 263.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 10/ 16.
(4) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص220.