فهرس الكتاب
الصراعات، ونشأ عماد الدين زنكي يتيمًا ووحيدًا؛ إذ كان لا أخ له، وترك موطن نشأته حلب واتجه إلى الموصل، وعاش حياة عسكريَّة منذ نعومة أظافره، ورأى الصليبيين يجتاحون بلاد المسلمين، فعاش القضيَّة بكل ذرَّة في كيانه، وكان لا ينسى أبدًا أن الأقصى أسير في يد الصليبيين، وأن أنطاكية والرها وبيروت وعكَّا وطرابُلُس وغيرها أيضًا في يد الصليبيين، وأن أرواح المسلمين تُزْهَق ليلَ نهارَ، وأموالهم وأعراضهم تُستباح بشكل متكرِّر.
هذه الظروف جعلت منه شخصًا جادًّا تمامًا، وأيُّ شخص يفقد جدِّيَّته في مثل هذه الظروف هو رجل منزوع المروءة، ليِّن الدين والعقيدة.
وهذا الجِدُّ الذي تميَّز به عماد الدين زنكي كان يمنعه من الاستسلام للراحة، فلا يستريح ولا يَقْبَل بالترف، وليس معنى هذا أنه لم يكن يبتسم، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أكثر الناس تبسُّمًا، ولكنه كذلك كان أكثر الناس جديَّة، وأكثرهم بُعدًا عن الهزل والمزاح، وكان في مزاحه القليل لا يكذب ولا يتجاوز، وهكذا كان نهج عماد الدين زنكي في حياته، لقد كان دائم الفكر، كثير الصمت، لا يتكلَّم مع الناس إلاَّ قليلًا؛ لأن ذهنه دائم العمل لصالح المسلمين، ودائم التدبير للأمور العظام، وهذا كان يعطيه هيبة عظيمة، كتلك التي كان يلاحظها الجميع على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وهي هيبة غير منكرة طالما ليس فيها ظلم أو تجاوز أو كبر.
والأشخاص العظيمة دائمًا لها هيبة، وراجعوا بعض المواقف من حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نعرف أن هذه الهيبة غير منكرة بضوابطها الشرعية.
روى ابن ماجه عن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ فكلَّمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له:"هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَاكُلُ الْقَدِيدَ [1] ".
فهذا رجل يرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فترتعد فرائصه، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أرحم الناس، ولكن لهيبته ولمركزه ولاحترام الناس له ارتعدت فرائص الرجل، فهوَّن عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطمأن قلبه.
وهكذا كان عماد الدين زنكي رحمه الله.
خرج يومًا من قلعته، وكان الحارس نائمًا، فأيقظه حرَّاس عماد الدين زنكي، فلمَّا استيقظ ورأى عماد الدين زنكي سقط على الأرض من الخوف، فقلبوه، فوجدوه ميتًا [2] !!
وليس معنى هذا غلظة في عماد الدين زنكي أو قسوة، فما عُلِمَ عنه تجاوزٌ في معاملة الناس أو الرعيَّة، ولكنها الهيبة التي جعلت له مكانًا عظيمًا في قلوب الناس.
(1) ابن ماجة: كتاب الأطعمة، باب القديد (3312) واللفظ له، والحاكم (3733) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح (7052) صحيح الجامع.
(2) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 105.