فهرس الكتاب
وقد عاش عماد الدين زنكي حياة الجدِّيَّة دون تكلُّف، فهو لم يكن يُرغم نفسه على الجدِّيَّة، بل كان يالفها ويأنس بها، حتى قال ابن الأثير في حقِّه:"كانت أصوات السلاح ألذَّ في سمعه من غناء القينات [1] ". فبينما كان هناك مَنْ يستمتع بسماع الموسيقى والأغاني، كان عماد الدين زنكي يجد متعته في سماع أصوات السلاح، سواء في ميادين الجهاد أو في ساحات التدريب.
وقد أثَّرت هذه الجدِّيَّة في هواياته رحمه الله، فكان إذا أراد التخفُّف قليلًا من الأعباء الثقيلة التي عليه، وأن يُرَوِّح عن نفسه ساعة فإنه كان يقوم بواحدة من ثلاث:
إمَّا أن يخرج إلى صيد الطيور والوحوش، ولا يخفى ما في ذلك من تدرُّبٍ على الرماية والمناورة والتخفِّي [2] ، وهو بذلك يُساعد نفسه على مهارة أعلى تعود عليه بالنفع في ميادين الجهاد، وكانت أحبُّ الهدايا إليه ما كان صيدًا، وكذلك كان يُهدِي هو إلى الملوك والأمراء ما اصطاده هو من فهودٍ وصقور ونحو ذلك [3] .
وإمَّا أن يتمرَّن على الفروسيَّة ويعقد مسابقات الخيل، وكان رحمه الله من أمهر الخيَّالين، وأعظم الفرسان.
وإمَّا أن يأخذ قاربًا ويتنزَّه منفردًا في نهر دجلة، سابحًا في ملكوت الله، متفكِّرًا في السموات والأرض، أو متدبِّرًا في الأحداث والمواقف، وهذه الخلوات كانت كثيرًا ما تفيض عليه بفكرة جميلة، أو حيلة ذكيَّة، أو بخشوع في القلب، أو سكينة في الجوارح [4] .
هذه هي لحظات الترفيه في حياة المجاهد العظيم عماد الدين زنكي رحمه الله!
سابعًا: الحسم:
وهي صفة من ألزم صفات الحاكم الواعي، ومن ألزم صفات عماد الدين زنكي أيضًا؛ فكم أضاع التردُّد فُرَصًا على المسلمين، وكم أدخل المسلمين في أزمات ومشاكل! لقد كان عماد الدين زنكي حاسمًا في كل أموره، فكان سريعًا ما يقطع بما يفيد، ويبدأ في التنفيذ دون تردُّد.
ففي بداية ولايته أدرك أنه لا طاقة له بحرب الصليبيين قبل أن يُعِدَّ العُدَّة، فعقد معهم هدنة مؤقَّتة، ثم بعد ذلك تَراه يحارب ويجاهد، ولا يقبل بأطروحات السلام من الصليبيين، وفي كِلا الأمرين كان حاسمًا في عرضه للهدنة وفي سعيه للجهاد، وكثيرًا ما قرَّر الهجوم في النهاية، وفي ظروف أخرى كان يُقَرِّر الانسحاب، ويرى أنَّ الظروف لا تحتمل حربًا وقتها، فلا يُكابر أو يعاند، إنما يفكِّر سريعًا، وينفِّذ سريعًا، ويُرِيح الجميع بقراره الحاسم.
(1) ابن الأثير: الباهر ص81.
(2) انظر: ابن منقذ: الاعتبار ص193،192.
(3) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 263.
(4) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص181.