فهرس الكتاب
والأمثلة هنا أكثر من أن تُحْصَى، بل هي كلُّ حياته، والتفصيلات في الصفحات القادمة عند الحديث عن خطواته في حكمه وجهاده ستبيِّن لنا ذلك بوضوح.
ثامنًا: حسن السياسة:
وَصَفَ ابنُ الأثير عماد الدين زنكي بأنه كان عظيم السياسة [1] ، والسياسة كما عرَّفها ابن عقيل رحمه الله أنها:"ما كانت فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإنْ لم يضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا نزل به وَحْيٌ" [2] . وهذا هو التعريف الذي يعتمده ابن القيم رحمه الله، ومفهوم طبعًا أنها لا تعني خروجًا عن الشرع، ولكنها تعني ابتكار الوسائل المناسبة للعصر وللظروف لإصلاح حياة الناس وإبعادهم عن الفساد.
أمَّا السياسة في التعريفات المعاصرة فهي كما جاءت في معجم روبير:"فنُّ إدارة المجتمعات الإنسانيَّة [3] ". وكما جاءت في المعجم القانوني:"أصول أو فنُّ إدارة الشئون العامَّة" [4] .
وسواء اعتمدنا التعريفات الإسلاميَّة الأصوليَّة، أو التعريفات القانونيَّة الحديثة فإنَّ عماد الدين زنكي قد بلغ الغاية في السياسة بكل تعريفاتها.
لقد عاش عماد الدين زنكي في زمان مُلِئَ بالتقلُّبات والأحداث، وتعامل مع شتَّى أنواع البشر، ومختلَف الزعامات والقيادات، فكان حكيمًا في كل تصرفاته، سياسيًّا في كل عَلاقاته، وكان نادرًا ما يفقد إنسانًا، أو يقطع عَلاقاته بأمير، وكانت له من الأفكار السديدة ما يفلح به في إدارة المجتمعات الإنسانيَّة مهما كانت معقَّدة.
كان يُدرك رحمه الله مراكز القوى، ويُقَدِّر قوَّة الخصوم بعناية، وكان لا ينخدع بالألفاظ ولا بالألقاب، وعَلِمَ من أوَّل أيَّامه أنَّ سلاطين السلاجقة أقوى بكثير من الخلفاء؛ ولذلك جعل ولاءه واضحًا لهم، لكنه لم يغفل حسن معاملة الخلفاء والتقرُّب إليهم، لكن عند حدوث صدام حتميٍّ بين السلاطين والخلفاء، كان يقف إلى جوار السلاطين لوضوح الرؤية عنده.
وعندما ضعف أمر السلاطين، وصار عماد الدين زنكي هو القوة العظمى في الأُمَّة الإسلاميَّة، لم يُعلن ذلك ليتجنَّب حدوث فتن ومكائد، ولكنه أعلن أنه يحكم باسم ألب أرسلان
(1) ابن الأثير الكامل في التاريخ 9/ 340.
(2) ابن القيم: بدائع الفوائد 3/ 673.
(3) معجم روبير.
(4) المعجم القانوني.