الصفحة 280 من 390

السلجوقي [1] ، مع أنه لم يكن لألب أرسلان أيُّ وزن إلى جوار عماد الدين زنكي، ولكنه حُسْنُ السياسة الذي سكَّن جوارح ألب أرسلان والسلاجقة من ورائه، وسكَّن جوارح العامَّة [2] .

وكان له رحمه الله من الأساليب الذكيَّة التي يُفَرِّق بها بين الأحزاب المتحالفة ضدَّه، وما أروع ما فعله لفكِّ تحالف الصليبيين مع البيزنطيين [3] ، وكذلك لفكِّ التحالفات الإسلاميَّة ضدَّه [4] ! وكلُّها أساليبُ يصلح أن تدرَّس في فنِّ السياسة.

وكانت له سياسته الخاصَّة في تحقيق النصر، وإسقاط القلاع، وفتح البلاد بأقلِّ خسارة ممكنة، وكان بعضهم يتَّهمه بالغدر عند بعض المواقف [5] ، لكنه كان يعتمد مبدأ"الحرب خدعة"، وهو منهج نبويٌّ حكيم، فكان يتجنَّب به الدخول في أزمات هائلة، وسنأتي في تفاصيل قصَّته على بعض المواقف التي أخذوها عليه، وتبرير فعله في هذه المواقف.

وكان يُقَدِّر الشخصيات المعادية له، ويحاول الاستفادة منها حتى لو كانت فاسدة، وما أحكم ما فعله مع جاولي - وهو الأمير الذي كان يطمع في الولاية بعد مقتل آق سنقر البرسقي، فذهبت الولاية إلى عماد الدين زنكي - إذ أقطعه عماد الدين زنكي إقليم الرحبة في حلب [6] ! ولم يُقْصِه عن كلِّ شيء؛ وبذلك تجنَّب أذاه، وأراح قلبه، واستفاد من طاقاته وقدراته.

بل فعل أكثر من ذلك مع دُبَيْس بن صدقة، وهو زعيم قبيلة بني مزيد، وكان شيعيًّا اثني عشريًّا، وكان فاسدًا، أظهر الفوضى والاضطراب في بغداد، وحاول أن يخلع الخليفة، وكان متعاونًا مع الصليبيين، وكان شخصيَّة مكروهة بكل المقاييس، ومع ذلك استنقذه من أَسْرِهِ بدمشق، ورفض تسليمه للخليفة [7] ، بل استخدمه وولاَّه بعض الإقطاعات، وكان يهدف إلى استخدامه في السيطرة على قبيلته الكبيرة بني مزيد، وكان يستفيد أيضًا من عَلاقاته ومخابراته، ولقد أرشد دبيسُ بن صدقة عماد الدين زنكي ذات مرَّة إلى مؤامرةٍ كان يحيكها له السلطان السلجوقي مسعود، فعرف السلطان أن دبيسَ بن صدقة هو السبب في كشف المؤامرة فأمر بقتله فقُتِلَ [8] ، فعندها قال عماد الدين زنكي:"فديناه بالمال (أي من الأسر) ، ففدانا بالرُّوح!" [9] .

(1) ويقول ابن الأثير في الباهر: فكان إذا أرسل رسالة أو أجاب على رسول كان يقول: قال الملك كذا. الباهر ص71.

(2) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص227.

(3) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302.

(4) انظر: محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص111.

(5) وممن اتهموه بالغدر ابن العديم انظر: زبدة حلب 2/ 273.

(6) ابن الأثير: الباهر ص34.

(7) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 259،258.

(8) ابن الجوزي: المنتظم 10/ 53.

(9) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت