فهرس الكتاب
وكان يقرأُ أطماع مَن يحالفونه من القادة، فيُريح بالهم، ويعطيهم ما يريدون؛ فيضمن بذلك ولاءهم وطاعتهم، وإن كانت العَلاقات بينهم متوتِّرة وغير طبيعيَّة.
وكان يُحسن سياسة جنده، ويُتْقِن سياسة الترغيب والترهيب؛ فبينما كان يضاعِف لهم رواتبهم، ويتعامل معهم بالرأفة والمودَّة كان عقابه صارمًا، ولا يقبل تهاونًا أبدًا في أداء الوظيفة، ولقد سمع مرَّة أنَّ أحد قوَّاده تعرَّض للنساء، بينما كان عماد الدين زنكي وجنوده في سفر بعيد، فأرسل فورًا مَنْ يعزله من منصبه، ويجرِّده من كل ممتلكاته، بل لمَّا عَلِمَ أنَّ الأمر تجاوز التعرُّض إلى التحرُّش الصريح أمر بقتله [1] ، ثم قال كلمته الصارمة:"إن جنودي لا يفارقوني في أسفاري، وقلَّما يُقيمون عند أهليهم، فإنْ نحن لم نمنع مِن التعرُّض إلى حُرُمهم هلكْنَ وفسدْنَ" [2] . وبعدَ هذا العقاب الرادع لم يتجاسر أحدٌ على التعرُّض للنساء طيلة حكم عماد الدين زنكي رحمه الله.
ففي هذا الموقف نَرَاه قد جذب قلوب الجنود إليه من ناحية بعد أن أظهر حرصه الشديد على نسائهم، وعَزَلَ قائدًا من أجلهم، وفي نفس الوقت أظهر الردع المناسب لمن يخالف الأوامر، ويتعدَّى على حدود الشرع، ويأتي بالأفعال المنكرة القبيحة.
والحديث عن سياسة زنكي حديث لا ينقطع، فقد استطاع بتوفيق من الله أنْ يتعامل مع ظروف قاسية كأفضل ما يكون التعامل، فصار بلا جدال من أعظم السياسيين في تاريخ الأُمَّة.
تاسعًا: كان عارفًا بالرجال:
وهذه ملكة فريدة عزيزة يفتقر إليها كثير من الزعماء، أمَّا عماد الدين زنكي رحمه الله فكان متميِّزًا فيها أشدَّ التميُّز، فقد كان يمتلك القدرة على تقييم الناس، فيعرف أصحاب المعادن الطيِّبة والمواهب النادرة فيقرِّبهم، ويعرف خبثاء النفس ضِعاف القدرات فيُقصيهم، ومن هنا فقد التفَّتْ حوله بطانة صالحة كان لها أشدُّ الأثر في تقوية مُلْكه، وتثبيت حكمه.
ويكفي أنه اختار من رجاله جمال الدين الأصفهاني رحمه الله فأقطعه نصيبين، وكان من أعظم علماء المسلمين، وكان كريمًا واسع الكرم حتى لُقِّبَ بالجواد، وكان إذا مرَّت بالناس ضائقة أنفق من جيبه الخاصِّ حتى يرفع الله الأزمة [3] ، وكان من أعظم الناصحين، وأوفى الأوفياء؛ بل إنه لم يحفظ عماد الدين زنكي فقط، بل حَفِظ أولاده من بعده، وكان من أشدِّ الناس مساعدة لهم وفاءً لأبيهم [4] .
(1) أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية 1/ 161.
(2) ابن الأثير: الباهر ص84.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 471، ابن خلكان: وفيات الأعيان 5/ 143 - 145.
(4) ابن الأثير: الباهر ص85،84 ..