فهرس الكتاب
وكان من رجاله أيضًا نصير الدين جقر، وكان سياسيًّا عبقريًّا، وعسكريًّا ماهرًا، وكان نائبه على الموصل [1] ، وكان الرجلَ المناسب حقًّا في المكان المناسب، فقد كانت الموصل تموج بالفتن، عند ولاية عماد الدين زنكي، فضبط نصير الدين جقر الأمور، ونظَّم حركة الأموال، وحفظ الأمن، وحصَّن المدينة، وكان وفيًّا تمام الوفاء لعماد الدين زنكي، وعرَّض نفسه لمخاطر كثيرة ليحفظ مُلْكَ عماد الدين، حتى وصل الأمر إلى أنْ صَبَرَ على حصار الخليفة للمدينة ثلاثة أشهر كاملة [2] ، فلم يُسَلِّم له، مع أن الخليفة لو أسقط المدينة لكان مصير نصير الدين هو القتل، بل إن نصير الدين دفع حياته ثمنًا لوفائه، فقد دُبِّرت له مؤامرة قُتل فيها؛ ليحاول المتمرِّدون السيطرة على الموصل، لولا أن الله قيَّض آخرين لحفظ الحُكم لعماد الدين زنكي [3] .
وأمَّا ما يتناوله بعض الناس عن ظلم نصير الدين جقر أو سفكه للدماء فهو تحليل لا يَنْظُر إلى الظروف التي كانت بالمدينة، والأخطار التي أحدقت بها، وليس اتخاذ التدابير لحفظ الأمن ظلمًا، وليس القصاصُ من القتلة ومثيري الفتن سفكًا للدماء، وقد ذكر ابن القلانسي في كتابه"ذيل تاريخ دمشق"في حقِّ نصير الدين جقر أنه كانت له أخبار في العدل والإنصاف، وتجنّب الجور والاعتساف [4] ، وذكر كلامًا كثيرًا يدور كله حول نفس المعنى، ومن ثَمَّ فهو يستنتج في النهاية أن سلوك نصير الدين جقر محمودٌ من ولاة الأمور، وأن قصده كان سديدًا في سياسة الجمهور.
واستوزر عماد الدين زنكي أيضًا ضياءَ الدين أبا سعيد ابن الكَفَرْتُوثيّ، وكان كما وصفه المؤرِّخون حَسَنَ الطريقة، جميل العقل، كريم النفس، مرضيَّ السياسة، مشهورًا بالنفاسة والرئاسة [5] .
وكان زين الدين عليّ كجك بن بكتكين من أبرز رجال عماد الدين، وانظر إلى كلام ابن الأثير عنه، إذ يقول:"كان زين الدين رجلًا صالحًا، وكان معروفًا بالقوَّة والشجاعة والإقدام، رءوفًا بالفقراء، مواسيًا للمرضى، اشتهر بالمحافظة على حسن العهد، وأداء الأمانة، ولم يمارس غدرًا قطُّ" [6] .
وهذا قليل من كثير، ولا يتَّسع المقام لذكر كلِّ نوَّاب عماد الدين زنكي وقوَّاده ووزرائه، فهذه هي حكومته، وهذه هي بطانته، وهؤلاء هم رجاله.
ولم يكن عماد الدين زنكي يُهْدِر الفرص، بل كان يلتقط الرجال الأفاضل في حكمة بالغة، ويستفيد من قدراتهم في مهارة فائقة، ومن أمثلة ذلك أنه سمع بهرب أحد القادة من دمشق، وكانت
(1) ابن خلكان: وفيات الأعيان 1/ 364.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 270.
(3) ابن خلكان: وفيات الأعيان 1/ 365.
(4) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص275.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 274، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 254.
(6) ابن الأثير: الباهر ص135.