الصفحة 283 من 390

دمشق معادية على طول الخطِّ لعماد الدين زنكي، وكان هذا القائد هو سوار بن أبتكين، وقد سمع عماد الدين زنكي عن كفاءته ومهارته، فاستقدمه وقرَّبه، ولم يُقلِّل من شأنه وهو محتاج، بل أكرمه وشرَّفه، وأجرى له الإقطاعات الكثيرة، بل أعطاه ولاية حلب وما يلحق بها من أعمال، واعتمد عليه في قتال الصليبيين، وكانت لسوار بن أبتكين بصيرة بالحرب وتدبير الأمور [1] ، وهكذا أسدى سوار خدمات جليلة لعماد الدين زنكي في أكثر من موقعة عسكريَّة، وفي الدفاع عن حلب، وقد استمرَّ سوار في منصبه منذ قدومه من دمشق سنة 524هـ إلى مقتل عماد الدين سنة 541هـ [2] ، أي سبعةَ عشَرَ عامًا كاملة.

وكان عماد الدين زنكي يُحْسن تقييم الرجال، وبالتالي يُقَدِّر ما يصلح لمعاشهم ورواتبهم، وقد كان يُعطي كمال الدين الشهْرُزُورِيّ عشَرَة آلاف دينار في السنة، وهذا مبلغ هائل، فقيل له: إن هذا كمال الدين يحصل له في كلِّ سنة ما يزيد على عشرة آلاف دينار، وغيره يقنع منه بخمسمائة دينار. فقال عماد الدين زنكي: بهذا العقل والرأي تُدَبِّرون دولتي، إن كمال الدين يَقِلُّ له هذا القدر، وغيره يكثر له خمسمائة دينار، وإنَّ شغلًا واحدًا يقوم به كمال الدين خير من مائة ألف دينار [3] .

وكان عماد الدين زنكي رحمه الله إذا تردَّد في أمر إنسان اختبره؛ ليرى إن كان يصلح للقيادة ولحفظ الأمانة أم لا، ومن ألطف ما يُحكى في هذا المضمار ما فعله عماد الدين زنكي مع مسئول ملابسه (طشت دار) ، إذ أراد أن يختبر أمانته وحُسن تصرُّفه ودرجة اهتمامه، فأعطاه كعكة بالفستق واللوز، فأمره أنْ يحتفظ بها حتى يطلبها منه، وبعد سنة كاملة أرسل إلى الرجل وطلب كعكته، فأخرجها الرجل من منديل كان معه، وكان قد حفظها من الفساد بصورة من الصور، فسُرَّ بذلك عماد الدين زنكي، وعيَّن الرجل قائدًا لقلعة كَوَاشَى، وهي إحدى قلاع الموصل [4] .

فانظر إلى عماد الدين زنكي كيف كان يُدَبِّر شئون دولته، واعلم أن هذه ملكات وقدرات قلَّ أن يوجد مثلها.

عاشرًا: الكفاءة الإدارية الفائقة:

وهذه خاصية لا بد منها إلى جوار اختيار الرجال وحسن السياسة، فالقائد قد يحسن اختيار أعدائه، وقد يحسن أيضًا سياستهم فيجذب قلوبهم إليه، ويضمن طاعتهم لأوامره، لكنه قد يفشل في

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص241،240.

(2) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص246.

(3) أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين 1/ 160،159.

(4) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت