فهرس الكتاب
تنظيم حركة العمل بحيث يحقق أكبر نفع بأقل مجهود وأقل خسارة، وبحيث يُنشِئ نظامًا محكمًا لا يتأثر بظروف طارئة أو أحوال عابرة.
ولقد كان عماد الدين زنكي رحمه الله إداريًّا من الطراز الأول؛ فمع أن عماد الدين زنكي كان يؤمن بمركزية القرار والحكم، إلا أنه كان يطبِّق هذا المبدأ في الأمور المصيرية المتعلقة بمستقبل الدولة ككل، أما في أعمال الوزارات والإمارات والدواوين فكان يُعطِي صلاحيات كبيرة لنوَّابه، وكان يفوضهم في أخذ القرار وتنفيذه، وكان يوليهم ثقة كبيرة تدفعهم إلى الابتكار والإبداع، وكان قليل اللوم لهم؛ مما دفعهم إلى الإحساس بالمسئولية، وأشعرهم أن البلد بلدهم، ومن ثَمَّ أفنوا حياتهم في سبيل الرقي بدولتهم، وكان عماد الدين زنكي قليل التغيير لإدارته وعمَّاله؛ فشعر الجميع بالاستقرار والأمن والاطمئنان، ومن ثَمَّ استقرت الأعمال وأحوال الناس [1] .
وكان يهتم جدًّا بجمع المعلومات، وكان له نوَّاب وعيون في كل مكان حتى في الإمارات المجاورة له، فكانت لا تفوته صغيرة ولا كبيرة؛ لذلك كان قليلًا ما يُفاجَأ في حياته بأمر بعد فوات الأوان، بل كان دائمًا يعلم الأمور قبل تفاقمها، ومن ثَمَّ كان يحسن التصرف فيها [2] .
ولدقة عيونه وجهاز استخباراته فإنه كان يستحيل على ملك أو أمير أن يعبر من أراضيه الواسعة دون علمه، مع أن الحدود لم تكن واضحة كأيامنا الآن، ولم يكن رسول يجرؤ على اجتياز مملكته دون إذنه، وكان يرسل مع الرسول فرقة ترافقه من لحظة دخوله إلى لحظة خروجه؛ لكي لا يُعطِي الرسول فرصة للتجول في البلاد؛ فينقل أخبارًا قد تكون خطيرة [3] .
وكان يوزِّع أمواله وأموال الدولة في الموصل وحلب وسنجار، ولا يجعل خزينة الدولة في مكان مركزي واحد، وكان يقول:"إن جرى على بعض هذه الجهات فتقٌ، أو حيل بيني وبينه، استعنت على سدِّ الخرق بالمال في غيره" [4] .
وكان يهتم اهتمامًا واسعًا بسهولة الاتصالات، وبسلامة الطرق وأمنها، وبجهاز البريد، وكان يدرك تمام الإدراك أن سرعة وصول المعلومة قد تحفظ بلدًا، أو تكسب معركة.
وكان يهتم بالتخصص في المهنة، فلا يضع عسكريًّا في منصب إداري، ولا يضع عالمًا في منصب عسكري أو نحو ذلك، وكان إذا استقدم كفاءة من خارج البلد فإنه يرسله إلى أهل التخصص يعلمونه أحوال البلد والناس قبل أن يتولى المنصب، فإن كان جنديًّا أو عسكريًّا قصد الأجناد فعرف النظام العسكري المتبع وأصوله، وإن كان صاحب ديوان قصد أهل الديوان، وإن كان
(1) انظر: ابن العديم: زبدة حلب 2/ 284.
(2) ابن الأثير: الباهر ص 78، أبو شامة: الروضتين 1/ 111.
(3) عماد الدين زنكي ص 209.
(4) شاكر أحمد أبو زيد: الحروب الصليبية والأسرة الزنكية ص 167