الصفحة 285 من 390

عالمًا قصد القضاة، وهكذا تقدَّم للغريب كل معونة وخدمة، حتى يقول أبو شامة في وصف ذلك:"فيعود كأنه أهل!" [1] ، أي يعود الغريب بعد هذا التدريب والاستضافة كأنه في أهله وليس غريبًا. ولا يخفى علينا كيف يكون الإنتاج غزيرًا عند هذا الغريب، سواء كان عسكريًّا أو موظفًا أو عالمًا، خاصةً أن الرواتب في عهد عماد الدين زنكي كانت مجزية جدًّا.

وكان عماد الدين زنكي أيضًا يضع دائمًا الخطة البديلة، ويفترض أسوأ الاحتمالات، ويأخذ حذره منها؛ ولقد سيطر على قرية البوازيج قرب تكريت وحصنها، وذلك قبل أن يدخل الموصل خوفًا من عصيان الموصل عليه [2] ، فجعل لنفسه مكانًا يأوي إليه في هذه الحالة، مع أن احتمالية عصيان الموصل كانت بعيدة!

ثم أخيرًا كان عماد الدين زنكي رحمه الله يحترم تمامًا السلم الإداري، ويرفض أن يتجاوز مرءوس رئيسه المباشر إلى الرئيس الأعلى، وهذا سيحقق فوائد كثيرة؛ منها حفظ الهيبة للرئيس المباشر، ومنها سلامة العمل ودقته؛ لأن الرئيس المباشر قد يمتلك من المعلومات ما لا يمتلك الرئيس الأعلى، ومنها حفظ وقت الرئيس الأعلى بدلًا من أن يخوض في كل القضايا، ومنها عدم الاعتماد على شخصية واحدة، بل نضمن سهولة سريان العمل وسلاسته حتى في غياب الرئيس الأعلى.

ومما يُروى في ذلك أن عماد الدين زنكي رأى ذات يوم مجموعة من حرسه الخاص يجتمعون ويقفون في مكان بحيث يراهم عماد الدين زنكي، فعلم أنهم يريدون أن يشكوا إليه أمرًا، فأرسل إليهم، فقالوا أن رواتبهم قد تأخرت عن موعدها، فقال: أشكوتم إلى الديوان؟ قالوا: لا. قال: فهل ذكرتم حالكم لأمير حاجب (وهو بمنزلة قائد الحرس الملكي) ؟ فقالوا: لا. قال: فلأيِّ شيء أُعطي الديوان مائة ألف دينار، وأعطي الأمير حاجب أكثر من ذلك، إذا كنت أنا أتولى الأمور صغيرها وكبيرها؟! كان عليكم أن تشكوا حالكم إلى الديوان، فإن أهملوا أمركم قلتم للأمير حاجب، فإن أهمل أمركم شكوتم الجميع إليَّ؛ حتى أعاقبهم على إهمالهم، وأما الآن فالذنب عليكم!!

وكاد عماد الدين زنكي يعاقبهم لتجاوزهم السلم الإداري، لولا شفاعة أحد الأمراء لهم، ولكنه في نفس الوقت ما أهمل القضية، بل أرسل إلى الديوان وأمير حاجب وقال لهم: إذا كنتم تهملون أمر جندي الذين تحت ركابي، ومن هو ملازمي في سفري وإقامتي، وبهم من الحاجة إلى النفقات في أسفارهم ما تعلمونه، فكيف يكون حال من بَعُد عنِّي؟!

وشعر الديوان وأمير حاجب بخطورة الموقف، وكانت رواتب الجند لم تصل بعدُ من الخزينة العامة، فأعطى أمير حاجب الجند رواتبهم من ماله الخاص لحين قدوم الرواتب من الخزينة!

(1) أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين 1/ 163.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت