الصفحة 291 من 390

وفي ظل الاضطرابات التي حدثت في الموصل بعد مقتل آق سنقر البرسقي سنة (520هـ) 1126م، فإن الإمارات الصليبية استقرت بصورة أكبر، بل وبدأت تتعرض للقوافل المارة بجوارها، وبدأت في فرض الإتاوات على المدن القريبة؛ مما أحدث نوعًا من الفزع والرعب عند عامة سكان المنطقة، خاصةً أن الزعماء الضعفاء الذين كانوا يسيطرون على المدن الإسلامية كانوا لا يرغبون، ولا يفكرون أصلًا في أي صدام مع الصليبيين [1] .

أما من ناحية الزعامات الصليبية فقد استقرت أوضاعهم إلى حدٍّ كبير، وكانت الرها تحت حكم جوسلين دي كورتناي، وأنطاكية تحت حكم بوهيموند الثاني، وطرابلس تحت حكم بونز بن برترام، وبيت المقدس تحت حكم بلدوين الثاني.

ولا شك أن أخطر هذه الإمارات بالنسبة لعماد الدين زنكي هي إمارة الرها المزروعة كالإسفين بين الموصل وحلب!

إذن كانت هذه الصورة في ذهن عماد الدين زنكي، وهي صورة معقدة، فيها عشرات بل مئات المشاكل، ولن يستطيع الخروج من هذه الأزمة المركبة إلا بيقين صادق في الله - عز وجل -، ثم رؤية واضحة، وحسن ترتيب للأولويات، وسياسة ماهرة في التعامل مع كل هذه التنوعات البشرية، وحكمة بالغة في تغيير المنكر وإصلاح الفساد.

لقد كانت الرؤية في تمام الوضوح في ذهن عماد الدين زنكي من أول يومٍ تولى فيه الحكم؛ لقد كانت قضيته بوضوح هي"تحرير العالم الإسلامي من الصليبيين"، ولكن هذه مهمة شاقة وعسيرة، وتحتاج إلى منهج واضح في التعامل، ولقد كان منهج عماد الدين زنكي في ذلك يتركز في نقطتين رئيسيتين ظلتا الشغل الشاغل له طيلة حياته؛ وهاتان النقطتان هما: توحيد المسلمين، والجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين!

لقد أدرك عماد الدين زنكي من اليوم الأول أن حالة الفرقة الشنيعة التي تعاني منها الأمة الإسلامية هي السبب الرئيسي في تمكن الصليبيين من السيطرة على الأوضاع في عمق العالم الإسلامي، ولم يكن الأمر يقف عند ضعف القوة فقط، ولكن كان الصليبيون يضربون بعض المسلمين ببعض، فنشأت الدويلات المتناحرة التي حفظت بقاء الصليبيين مدة أطول.

كما أدرك عماد الدين زنكي أيضًا من اليوم الأول أن الحل الوحيد لطرد الصليبيين من البلاد هو الجهاد في سبيل الله، وأن التفاوض مع الصليبيين للموافقة على الخروج هراء لا معنى له، خاصةً أنهم مجتمعات استيطانية جاءوا بنسائهم وأولادهم ليستقروا ويعيشوا، ومن ثَمَّ فقد أصبح الصليبيون

(1) ابن الأثير: الباهر ص33،32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت