فهرس الكتاب
الشعب لهذه المهمَّة النبيلة، وتذكير الناس بأيام الله التي انتصر فيها المسلمون، وإعادة الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى، وتنشئة الجيل الجديد على التضحية والبذل، وتوجيه النيَّة لله رب العالمين [1] . وهكذا بدأ الإعلام في الدولة الجديدة يهتمُّ بقضايا أُهملت في كثير من المناهج، وبدأت أحلام الناس وأهدافهم تتغيَّر لصالح قضية عماد الدين زنكي الرئيسيَّة، وهي قضية إخراج الصليبيين من بلاد المسلمين.
وهكذا رتَّب عماد الدين زنكي بيته الداخلي، وأسَّس دولة على بُنيان صُلب، واطمأنَّ إلى الأوضاع في داخل الموصل، ومن ثَمَّ بدأ ينظر إلى خارجها عازمًا على توحيد الأُمَّة في كيان كبير يستطيع أن يصمد أمام الصليبيين.
ولما كان عماد الدين زنكي واقعيًّا، وكان يُحسن تقدير قوَّته وقوَّة عدوِّه، فإنه أدرك أنه في هذه المرحلة لا يَقْوَى على قتال إمارة الرها القريبة، وكان في نفس الوقت يريد أن يتفرَّغ لتوحيد الإمارات الكثيرة المتناثرة حول الموصل، ومن هنا قرَّر أن يعقد هدنة مع إمارة الرها لمدَّة سنتين [2] ، وقد كان واضحًا جدًّا أن الاتفاقية محدَّدة بفترة زمنيَّة معيَّنة؛ لأنه لا يستطيع بحالٍ أن يعقد اتفاقيَّة سلام دائم مع عدوٍّ يحتلُّ أرض المسلمين، ومن هنا دلَّل على أنه يجمع بين الفقه العسكري والفقه الديني، وهذا ما ميَّزه عن بقيَّة زعماء عصره.
ولما عُقِدَتْ هذه الهدنة المهمَّة فكَّر عماد الدين زنكي مباشرة في ضمِّ المدينة العظيمة حلب، وقد تحدَّثنا قبل ذلك عن أهميَّة حلب الإستراتيجيَّة والعسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والبشريَّة، إضافةً إلى أن حلب كانت متحدة قبل ذلك في زمان آق سنقر البرسقي مع الموصل تحت حكم السلطان السلجوقي محمود، فالوَحدة بينهما منطقيَّة وقانونيَّة، وليس من المفترض أن يكون هناك خلاف على توحيدها مع الموصل، هذا إضافةً إلى أن القاعدة الشعبية لعماد الدين زنكي هناك قويَّة؛ وذلك لذكريات أبيه العادل قسيم الدولة آق سنقر الحاجب، الذي قُتل منذ أربعٍ وثلاثين سنة وهو يدافع عن حلب ضد تتش بن ألب أرسلان.
لكن عماد الدين زنكي - مع رغبته في ضمِّ حلب - لم يشأ أن يُقْدِم على هذه الخطوة قبل أن يقوم بإجراءين رئيسيين:
أما الإجراء الأول فهو تأمين الحدود الشمالية والشمالية الشرقية للموصل، وكان قد أمَّن حدودها الجنوبية قبل ذلك بضمِّ البوازيج وجزيرة ابن عمر كما مرَّ بنا، وهذا التأمين يضمن له الحركة الآمنة في اتجاه الغرب ناحية حلب.
(1) محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص134،133.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 244،