الصفحة 296 من 390

وكانت هذه المناطق مستَقَرًّا لقبائل الأكراد الكثيرة، وكانت أقرب هذه القبائل للموصل هي قبائل الأكراد الحميدية والأكراد الهكارية، وكانوا في هذه الفترة يُكَوِّنُونَ فِرَقًا مسلَّحة تُغِيرُ على مزارع وقرى الموصل الشرقيَّة، وبالتالي يُثيرون الذعر بين الفلاَّحين ومواطني الموصل؛ ومن ثَمَّ توجَّه إليها عماد الدين زنكي بفرقةٍ من جيشه. ومع كون الفارق هائلًا بين قوَّة عماد الدين زنكي وجيشه النظامي وبين هذه القبائل المتفرِّقة، إلاَّ أن عماد الدين زنكي رحمه الله كان حريصًا طيلة حياته على الاستفادة من كل الطاقات من حوله، وكما وظَّف جاولي لصالحه قرَّر أن يوظِّف الأكراد - إن استطاع - لخدمة دولته الناشئة، وقد أقدم على هذه الخطوة على الرغم من التاريخ السيِّئ لهذه التجمُّعات، لكنه كان دائمًا - رحمه الله - يسعى إلى الإصلاح وإلى الوَحدة.

اجتمع عماد الدين زنكي رحمه الله مع زعيم الأكراد الحميديين الأمير عيسى الحميدي، وفي هذا الاجتماع أقرَّه على ولايته على الأكراد، وترك له كل ما في يده، في مقابل أن يُصبح تابعًا لإمارة الموصل [1] ، وبالتالي لا يُغِيرُ على الإمارة، إضافةً إلى الاستعانة به ضدَّ الصليبيين إذا لزم الأمر. ولا شكَّ أن عيسى الحميدي أدرك قوَّة عماد الدين زنكي، وعلى الرغم من أن هذه القبائل كانت كالميليشيات العسكرية الخاصة إلاَّ أنهم أدركوا أنه من الأسلم لهم - على الأقلِّ في هذه المرحلة - أن يخضعوا لسلطان عماد الدين زنكي.

وهكذا ضُمَّتْ قوَّة الأكراد الحميدية إلى قوَّة الموصل، أو على الأقلِّ حُيِّدَتْ.

وعندما نجحت خُطَّة عماد الدين زنكي رحمه الله مع الأكراد الحميدية اتجه مباشرة إلى الأكراد الهكارية، وعقد نفس الاتفاقية مع أبي الهيجاء الهكاري زعيمهم [2] ، وبذلك أمَّن الحدود الشمالية والشمالية الشرقية تمامًا.

وهكذا نجح عماد الدين زنكي بجهود دبلوماسية في أن يقرَّ الأوضاع في الموصل وما حولها، وبالتالي أفرغ ذهنه لقضيَّة حلب.

كان هذا هو الإجراء الأول - وهو تأمين الحدود الشمالية والشمالية الشرقية - قبل الاتجاه غربًا إلى حلب.

أمَّا الإجراء الثاني فهو التمهيد الإعلامي والعسكري لفكرة قدومه إلى حلب؛ حتى يتجنَّب حدوث صدام قد تراق فيه الكثير من الدماء المسلمة.

وكان التمهيد الإعلامي الذي قام به هو إرسال الرسل من طرفه إلى حلب فتسلَّلوا إليها، وتحدَّثوا مع الناس في مساجدهم ومجتمعاتهم بأحقِّيَّة عماد الدين زنكي في حكم هذه المدينة المهمَّة،

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 274.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت