الصفحة 297 من 390

فهو الذي ارتضاه لهم السلطان محمود سلطان السلاجقة والقوة الأُولى في العالم الإسلامي آنذاك، وهو المجاهد الصُّلب الذي يستطيع أن يقف في وجه الصليبيين، وهو الحاكم العادل الذي سيُقِرُّ السلام في داخل حلب، ويُعيد الحقوق لأصحابها، وهو ابن آق سنقر الحاجب الذي توارث أهلُ حلب الرحمة عليه [1] .

لقد كان عماد الدين زنكي يهدف من وراء هذا التمهيد أن يجعل قدومه على حلب مطلبًا شعبيًّا، خاصَّةً أنه يعلم أن قتلغ أبه وإبراهيم بن رضوان كليهما من الفاسدين، وأن سليمان بن عبد الجبار الأرتقي ضعيف، وأن أهل حلب لا يريدون أحدًا منهم، فإذا كان البديل هو عماد الدين شخصيًّا فلا شكَّ أن هذه ستكون فرصة طيِّبة للشعب هناك.

ولقد نجحت خطَّة عماد الدين زنكي تمامًا، وانتشر دُعاته بين الناس، وصار الناس يترقَّبون اليوم الذي يظهر فيه عليهم.

أما التمهيد العسكري فقد قام به عماد الدين زنكي عن طريق إرسال رأس جيشه صلاح الدين الياغيسياني، الذي درس الأوضاع حول حلب، وأمَّن الطرق، وتراسل مع بعض الأفراد من جيش حلب، ومهَّد الأوضاع لاستقبال القائد العظيم عماد الدين زنكي [2] .

وعندما تيقَّن عماد الدين زنكي من أن الظروف أصبحت مناسبة في حلب، تحرَّك إليها من الموصل على رأس فرقة قويَّة من جيشه، وفي طريقه ضمَّ مدينتي بزاغة ومَنْبِج، وهما مدينتان في شرق حلب تمامًا؛ وذلك لتأمين خطِّ رجعته إن فشل في دخول حلب، ثم اقترب بعدها من حلب، وهنا حدثت المفاجأة السارَّة!

لقد خرج شعب حلب من المدينة؛ ليكون في استقبال عماد الدين زنكي، مرحِّبِينَ به أشدَّ الترحيب، ومعلنِينَ ولاءهم الكامل له، بعد معاناتهم الفترة السابقة تحت حكم هذه المجموعة من الفاسدين.

وإزاء هذه المظاهرة الشعبيَّة الرائعة لم يجد إبراهيم بن رضوان ولا سليمان بن عبد الجبار بُدًّا من الهرب من المدينة دون قتال، بينما أمسك الشعب بقتلغ أبه، وقُتل جزاءً وفاقًا للأرواح الكثيرة التي أزهقها فترة حكمه [3] .

وهكذا دخل عماد الدين زنكي مدينة حلب دون إراقة دماء وفي وسط ترحيب شعبي عارم، وتتوحَّد بذلك مدينتان من أهمِّ مدن المنطقة، وهما الموصل وحلب، ولم تكن أهمية هذه الوحدة تعود

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 247، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 437، و سهيل زكار: الحروب الصليبية 2/ 678.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 247.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت