فهرس الكتاب
إلى ازدياد القوة الإسلاميَّة فقط، ولكنها تعود أيضًا إلى فصل إمارة الرها عن بقيَّة الإمارات الصليبيَّة في الشام وفلسطين [1] ، ممَّا سيُؤَثِّر حتمًا في مقدراتها وإمكانياتها، وكان هذا الدخول المبارك لحلب في شهر جُمادى الآخرة سنة (522هـ) يونيو 1128م [2] ، أي بعد حوالي تسعة أشهر فقط من تسلُّم عماد الدين زنكي مقاليد الحكم في الموصل، وهو بذلك إنجاز رائع في زمن قياسي!
وبمجرَّد دخول عماد الدين زنكي حلب قام بخطوة سياسيَّة رائعة، وهي الزواج من خاتون ابنة رضوان بن تتش حاكم حلب السابق [3] ، وكان هذا الزواج سياسيًّا؛ لأنه بذلك سيُهَدِّئ أفئدة بيت رضوان، وأصحاب العَلاقات معه. ولا ننسى أن رضوان حَكَمَ حلب عشرين سنة كاملة قبل ذلك، من سنة 487هـ إلى سنة 507هـ، ولا بُدَّ أن تكون له عَلاقات ضاربة في جذور البلد، فضلًا عن عائلته المستقرَّة هناك، وكذلك إبراهيم بن رضوان الذي كان يحكم حلب منذ أيَّام، وهرب إلى نصيبين عند قدوم عماد الدين زنكي [4] .
لقد كان الملوك والأمراء في ذلك الوقت يُثَبِّتون دعائم ملكهم عن طريق الزواج من حلفائهم، وأحيانًا من أعدائهم؛ حتى يتوثَّق الحِلْف بشكل أقوى، أو تزولَ العداوة بشكل طبيعي، وهذا ما سعى إليه عماد الدين زنكي، وأثمر نتائجَ طيِّبةً؛ حيث لم تقم عليه ثورات مطلقًا في داخل المدينة المهمة حلب.
ثم إنه تزامن مع دخول عماد الدين زنكي إلى حلب، أو قبل ذلك بقليل، في نفس السنة 522هـ أن مات طغتكين أمير دمشق بعد حكم دام حوالي خمسٍ وعشرين سنة (من سنة 497هـ إلى سنة 522هـ) ، وخلفه في الحكم ابنه بوري بن طغتكين بوصية من والده [5] .
وهذا الموت لطغتكين سيجعلنا نفتح مع عماد الدين زنكي ملف دمشق!
لا شك أن دمشق هي أكبر مدن الشام مطلقًا، وقوة من القوة المؤثِّرة في مجريات الأمور، وهي بإمكانياتها البشرية والتاريخية والسياسية والعسكرية تمثِّل محطة مهمة جدًّا من محطات الصراع مع أي عدو من أعداء المسلمين، وعندما ينصلح حالها ويقوى تُصبِح من أثقل النقاط إيجابية في المعادلة، ولكنها على الجانب الآخر عندما يفسد حالها وتضعف تؤثَِّر تأثيرًا سلبيًّا في المنطقة ككل، هذا أمرٌ لا نستطيع أبدًا أن نغفله.
(1) محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص101.
(2) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 242.
(3) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 244.
(4) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 243.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 248.