فهرس الكتاب
وإذا كان عماد الدين زنكي يمتلك مشروعًا واضحًا ضخمًا كمشروع إخراج الصليبيين من أرض المسلمين كُلِّيَّةً، فإنه لا بد أن يضع دمشق في حساباته، وخاصةً أنها بموقعها المتوسط في الشام تصبح مركز انطلاق وعودة في غاية الأهمية لإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس، وكذلك لمملكة بيت المقدس.
ومن هنا فلا بد لمن أراد أن يتم هذا المشروع بنجاح أن يضم دمشق إلى المشروع الوحدويّ الذي يجمع طاقات هذه المنطقة بكاملها، وهذا من المؤكد أنه في ذهن عماد الدين زنكي، وسيكون بعد ذلك في ذهن نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، بل ومن يأتي بعد صلاح الدين الأيوبي من زعماء، سواء في الدولة الأيوبية أو في المماليك، ولعله إلى زماننا الآن؛ فإن دمشق - لا شك - محطة لا يمكن أن تُغفل.
لكن - للأسف الشديد - مع كل الاعتبارات التي ذكرناها فإن دمشق في هذه الفترة من حياة الأمة، حين دخل الصليبيون بلاد الشام وفلسطين كانت تمثِّل - بلا جدال - حجر عثرة أمام أي مشروع وحدة إسلامية!
ولقد ذكرنا قبل ذلك الخلفيات التي جعلت الشعب في دمشق في هذه الآونة يخرج بلا هُوِيَّة واضحة، ولا نزعة إسلامية سويَّة؛ وذلك نتيجة الحكم العبيديّ الذي امتد أكثر من مائة سنة ثم حكم تتش الظالم وابنه دقاق كذلك، ولئن كان طغتكين على خلاف ذلك، فإنه أيضًا لم يكن بالرجل المتكامل الذي يقدِّم مصلحة الأمة بصرف النظر عن مصالحه الشخصية، بدليل أنه لم يمانع من التحالف مع الصليبيين في نظير الحفاظ على كرسيِّه في الحكم.
ولقد كانت مشكلة كبرى بالنسبة لدمشق أن الذي يحكمها يشعر من تلقاء نفسه بالاستقلالية؛ لأنها مدينة كبيرة، ولها سمعتها وقيمتها، وبالتالي يصبح له من الوضع الاجتماعي ما يمنع ذهنه تمامًا من التفكير في كونه يصبح تابعًا لغيره! إنه ملك دمشق أو زعيمها، فكيف يتبع أميرًا آخر أيًّا كان هذا الأمير؟! هذه كانت مشكلة طغتكين وأبنائه من بعده.
أضف إلى هذا أن طغتكين كان من عائلة تركية منفصلة عن بقية العائلات الكبرى التي كانت تحكم المنطقة، فلا هو من السلاجقة، ولا هو من العباسيين، ولا هو من العائلات العربية التي كان لها تاريخ في الحكم في المنطقة كبني عقيل أو بني مرداس أو بني منقذ أو غيرهم؛ ومعنى هذا الكلام أنه سيظل محدودًا في دمشق، ولن يكون له أعوان في مدن أخرى، وهذه كانت مشكلة طغتكين الكبرى، إذ إنه مع قوة مدينته لم يستطع أن يضم إليها أي مدينة في المنطقة إلا بشكل عابر