فهرس الكتاب
ومؤقت؛ ولذلك قنع طغتكين بالاحتفاظ بدمشق، وسيقنع أولاده من بعده بذلك، وسيُخرِجون تمامًا مشروع الأمة من أذهانهم؛ ليستمر لهم حكم دمشق [1] !
كان عماد الدين زنكي يقرأ كل هذه الظروف والملابسات، وكان في نفس الوقت يخطِّط لضم المدينة المهمة دمشق إلى الوحدة المنشودة التي تهدف إلى جهاد الصليبيين، ولا شك أن محور الموصل- حلب لو اكتمل بدمشق، فإنه سيصبح محورًا مستعصيًا على الانكسار.
والآن بعد موت طغتكين الذي حكم خمسًا وعشرين سنة متصلة، لا بد أن دمشق في حالة فقدان للتوازن، والحاكم الجديد بوري بن طغتكين ليست له الخبرة الكافية التي تمكِّنه من السيطرة على مجريات الأمور في دمشق؛ ولذلك فإنْ أراد عماد الدين زنكي أن يضم هذه المدينة فلا بد أن يسعى في ضمِّها الآن دون تأخير.
فإذا أضفنا أن دمشق في ذلك الوقت كانت وكرًا للباطنية، وكان طغتكين طيلة حياته يخشاهم ويداريهم، ويترك لهم الحبل على الغارب؛ مما أدى إلى توحُّشهم، وبالتالي ازدادت خطورتهم، ليس على دمشق فقط، بل على منطقة الشام بكاملها؛ إذا أضفنا هذا فلا بد أن نعلم أن سرعة السيطرة على دمشق ستُعِيد الأمن إلى نصابه في الشام، وستصرف جهود المسلمين إلى الإصلاح، وستفتح المجال للعلماء والقادة أن يتحركوا في سبيل الله دون أن يخشوا من خناجر الباطنية وسيوفهم.
وكان عماد الدين زنكي كسياسي خبير يدرك أن محاولات الوحدة السلمية بين دمشق وحلب والموصل تكاد تكون مستحيلة، فلم يكن طغتكين على هذه الصورة، ومن المؤكد أن ابنه كذلك سيكون متمسِّكًا بحكم دمشق؛ ولذلك فإنه لكي يضم دمشق إلى الكيان الإسلامي الجديد لا بد له من سلوك أحد طريقين: إما طريق الحيلة، وإما طريق القوة.
ولما كان عماد الدين زنكي لا يحب أن يريق الدماء إلا عند الضرورة القصوى، وكان يغلب عليه طيلة حياته محاولة ضم المدن والبلاد الإسلامية دون الدخول في قتال عسكري، فإنه اختار طريق الحيلة، ومحاولة الضغط على بوري بن طغتكين بطريقة غير عسكرية ليضم في النهاية دمشق إلى حكمه، خاصةً أن دمشق كانت تسيطر على حماة أيضًا، وهي مدينة مهمة جدًّا، وقريبة من طرابلس.
وقبل الحديث عن حيلة عماد الدين زنكي، فإننا يجب أن نشير إلى أنَّ حمص كانت هي الأخرى إمارة مستقلة، وكان على رأسها رجل ظالم عامل أهلها بالتعسف والجور، وهذا الرجل هو صمصام الدولة خيرخان بن قراجا، وليس هذا فقط، ولكن كان الشعب كذلك في حمص فيه من الصفات كما كان الحال في دمشق تمامًا لتعرُّض المدينة لنفس الظروف، فقد حُكمت المدينة بالعبيديين
(1) محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص116 بتصرف.